أفرزت التحولات التكنولوجية المتسارعة، خاصة في مجال تكنولوجيات الإعلام والاتصال، أنماطًا جديدة من المجتمعات لم يعد فيها رأس المال المادي أو الصناعي هو العنصر الحاسم في التقدم، بل أصبحت المعلومة والمعرفة المورد الاستراتيجي الأساسي. وفي هذا السياق ظهر مفهوم مجتمع المعلومات بوصفه تعبيرًا عن مرحلة تاريخية جديدة من تطور المجتمعات الإنسانية.

غير أن الانتقال إلى هذا النموذج المجتمعي لم يكن متكافئًا، إذ برزت إلى الواجهة إشكالية الفجوة الرقمية باعتبارها انعكاسًا للتفاوت في فرص الوصول إلى التكنولوجيا الرقمية والانتفاع بها. فبينما استطاعت بعض الدول والفئات الاجتماعية الاندماج بفعالية في اقتصاد المعرفة، ما تزال أخرى تعاني من محدودية البنية التحتية، وضعف الكفاءات الرقمية، وقيود اقتصادية واجتماعية تحول دون الاستفادة الكاملة من إمكانات مجتمع المعلومات. ومن ثمّ، فإن الفجوة الرقمية تمثل تحديًا بنيويًا يطرح إشكالات تتعلق بالعدالة الاجتماعية والتنمية والسيادة في العصر الرقمي.

أفرز التطور المتسارع لتكنولوجيات الإعلام والاتصال تحوّلًا جذريًا في بنية الإعلام ووظائفه، حيث لم يعد الإعلام حكرًا على المؤسسات التقليدية، بل أصبح فضاءً مفتوحًا ومتعدد الفاعلين. وفي هذا السياق برز الإعلام الرقمي كأحد أهم مظاهر التحول الرقمي، مغيرًا طبيعة الاتصال، وأدوار المرسل والمتلقي، وأنماط إنتاج المحتوى وتداوله.

تُعدّ البنى التحتية لتكنولوجيات الإعلام والاتصال العمود الفقري لكل التحولات الرقمية المعاصرة، إذ لا يمكن الحديث عن إعلام رقمي، أو إدارة إلكترونية، أو حكومة ذكية دون وجود شبكات اتصال فعّالة وآمنة. وتشكل الإنترنت، والإنترانت، والإكسترانت أهم الأنظمة الشبكية التي تقوم عليها هذه البنية، مع اختلاف وظائفها ومستويات إتاحتها وأمنها.

تُقصد بتكنولوجيا الإعلام والاتصال مجموعة الوسائل والتقنيات الرقمية والسمعية-البصرية التي تُستخدم في إنتاج المعلومات ومعالجتها وتخزينها ونقلها وتبادلها بين الأفراد والمؤسسات. وقد شهدت هذه التكنولوجيات تطورًا تاريخيًا متدرّجًا انطلق من الوسائل التقليدية كالمطبعة والصحافة والإذاعة والتلفزيون، وصولًا إلى الحواسيب والإنترنت والهواتف الذكية ومنصات التواصل الرقمي. أما على المستوى التقني، فقد تميز هذا التطور بالانتقال من الأنظمة التناظرية إلى الرقمية، ومن الاتصال الأحادي إلى التفاعلي، مما أسهم في تسريع تدفق المعلومات، وتوسيع دائرة الاتصال، وتعزيز اندماج المجتمعات في الفضاء الرقمي المعاصر.

يهدف هذا المقياس إلى تمكين الطلبة من فهم مفاهيم تكنولوجيات الإعلام والاتصال وتطورها التاريخي والتقني، وتحليل آثارها على المجتمع، والإدارة، وأنماط الحكم. ويركّز على التحولات الرقمية المرتبطة بالإعلام الرقمي، ومجتمع المعلومات، والاقتصاد الرقمي، مع إبراز قضايا الفجوة الرقمية، والحوكمة، والأمن المعلوماتي. كما يتناول تطبيقات تكنولوجيا الإعلام والاتصال في الإدارة العمومية، والحكومة الإلكترونية، والانتقال نحو الحكومة الذكية، ودور الذكاء الاصطناعي وما يطرحه من رهانات أخلاقية وأمنية. ويختتم المقياس بدراسة التحول الرقمي والسيادة الرقمية بوصفهما رهانًا استراتيجيًا للدول في البيئة الرقمية المعاصرة.