- Teacher: AMMAR HALASSA
لم تكن المعارك الادبية وليدة العصر الحديث ، ولكنها معركة ارتبطت منذ البداية بالحديث والقديم . فكلما ظهر حديث إلا ووقف في وجهه القديم . ولذلك فإن المعارك الادبية في النقد العربي ، قد بدأت مع ظهور الشعر المحدث الذي اشتهر به أبو تمام ومن بعده المتنبي . ولذلك فقد وقف في وجه أبي تمام مناصرة للقديم الآمدي في كتابه الموازنة بين الطائيين ، منتصرا فيه للبحتري على استاذه أبي تمام .
غير أن المعارك الادبية في العصر الحديث أخذت طابعها من سمة العصر الحديث ، المتمثل في الانبهار بالآخر ، والذوبان الكلي في منجزاته وأفكاره . ومن هذا المنطلق ظهرت أكبر معركة أدبية في العصر الحديث وهي معركة الشعر الجاهلي سنة 1926.
معركة الشعر الجاهلي :
وهي عبارة عن جملة من المحاضرات ألقاها طه حسين على طلبته في الجامعة ، يشكك فيها في نسبة القصائد الجاهلية إلى أصحابها . وليته وقف عند هذا الحد ليصل به الشك إلى الاديان السماوية الثلاثة ، حيث يشكك في صدق الرواية التي ترويها الاديان الثلاث عن ابراهيم وإسماعيل ، انطلاقا من كون التاريخ لم يثبت لنا وجود شخصيات بهذه الاسماء ، مما أثار حفيظة الكثير من رجال الدين والأدب للرد على طه حسين .
والحقيقة أن معركة الشعر الجاهلي قد مهد لها طه حسين بمقالين:
1 – مقال عن النقد نشره سنة 1911 ، يدعو فيه إلى ثورة على الادب لا تراعي التقاليد ولا الافكار التقليدية .
2- مقال في جريدة السفور بعنوان إلى الآنسة صبح ، يجيبها فيه عن سؤال طرحته عن حقيقة شخصية الخنساء ، ليخلص في هذا المقال إلى أن شخصية الخنساء شخصية وهمية لا اساس لها من الصحة .
وقد بنى طه حسين محاضراته في الشعر الجاهلي على الشك المنهجي ، الذي لا يعترف بالمسلمات ولا يقبل الفكرة إلا إذا انبنت على منطق ممنهج صحيح.
موقف العقاد من الكتاب
لقد كان العقاد من المؤمنين بحرية الرأي ، ولذلك خالف أستاذه سعد زغلول الذي كان مستاء جدا من آراء طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي . ولم يقف عند هذا الحد فقط بل راح يدافع عن طه حسين حتى في مجلس النواب . يقول طه حسين « لقد أضاع علي صداقة كنت أحسبها . كان لي خصما وصديقا ، وكنا نختصم في الادب وكانت بيننا مودة وصداقة ، وهو أحسن الناس الذين دافعوا عني في مجلس النواب بمناسبة كتاب الشعر الجاهلي » . ولكن حين كثر الكلام واللغط حول الكتاب ، دخل العقاد المعركة وراح ينتقد طه حسين انطلاقا من خطأ فكرة الشك المنهجي .في حد ذاتها . وقد خصص كلاما كثيرا في كتابه اللغة الشاعرة ينتقد فيه العقاد المستشرقين الذين أخذ عنهم طه حسين هذه الفكرة.
موقف الرافعي
من الذين وقفوا بشدة في وجه أفكار طه حسين ، واعتبروها أفكارا هدامة ليس للأدب فقط ، وإنما المقصود منها الدين في حد ذاته هو الرافعي ، الذي جرد قلمه للرد على طى حسين وتفنيد أفكاره ، وتبيان علاقته بالفكر الاستشراقي الهدام ، وتقديم الادلة والبراهين على تعمد طه حسين تقصد الدين اتباعا للمستشرقين ، والغربيين الحاقدين على الاسلام . وقد نشر الرافعي مقالات كثيرة في هذه القضية جمعت في ما بعد في كتابه تحت راية القرآن .
ومن رد الرافعي على طه حسين في معركة الشعر الجاهلي قوله : « إن التاريخ الإسلامي إذا حمل على غير طريقته ، وتولاه غير أهله ، لم يأت منه إلا ما هو دخيل فيه . فتقل الرواية ، ويكثر التكذيب ، ويحصل الخطأ ، ويقع الخلل ، لأن الأشياء بما كانت عليه ، لا بما تتوهم أنت ، أنها كانت عليه » . أما الأستاذ فريد وجدي فيرد في كتابه نقد كتاب الشعر الجاهلي ، حيث يرفض اتخاذ طه حسين المنهج الديكارتي بدل المنهج القرآني . أما عن رده على عدم اعترافه بإسماعيل وإبراهيم والعرب المستعربة يقول : « والقول بأن إبراهيم وإسماعيل لم يثبت وجودهما تاريخيا ، ليس معناه أن التاريخ ، قرر بأنهما لم يوجدا ، ولكن معناه أنه لا يستطيع إثبات وجودهما إثباتا ينطبق عليه الأسلوب الحسي .وهذا العجز من العلم ، ونشجعه على الاعتراف به . بل نقبل منه أن يدعي علم ما لا ينطبق أسلوبه عليه ، وإدراك ما لا تصل وسائله إليه . » أما الأستاذ محمد لطفي جمعة في كتابه الشهاب الراصد على الشعر الجاهلي فيقول : « هذا المؤلف لم يترك فضيلة للعرب في علوم تاريخهم ، وآرائهم وعقائدهم ، دون أن يحاول هدمها بشدة وقسوة وتهكم واستهزاء. ولم يعد له مثيل في كتب العلماء ، فيخيل للقارئ أن المؤلف يلعب ويلهو بأشرف الأشخاص ، وأسمى المبادئ التي خلفتها المدنية العربية الإسلامية منذ 14 قرنا . وكنا نود أن نظن بكتابه خيرا ، فلم نجد له في الخير محملا ، وحاولنا أن نلمح بصيصا من نور ، ولكننا لم نلمح شيئا في وسط هذه الظلمات المتكاثفة المتطالعة من أول الكتاب إلى آخره . إنه للأسف طافح بالأوهام فهو سراب » . أما الأستاذ محمد أحمد الغمراوي ، فقد كان رده في كتابه النقد التحليلي لكتاب الشعر الجاهلي يركز على نقطة نسيان القومية والدين كشرط من شروط البحث العلمي . حيث يقول : « إن طه حسين ذهب إلى ان نسيان القومية والدين ، شرط أساسي من شروط البحث العلمي . فإن كان أراد بذلك أن يقول أن على الباحث ألا يخفي بعض الحق ، أو يتراخى في استيفاء الدليل العلمي محاباة لقوميته ، او إرضاء لعاطفته فقد اصاب . أما إذا كان اراد ان يقول ان الإنسان لا يستطيع أن يكون ذا عاطفة قومية او دينية ، من غير أن يحابي أو يداجي في العلم ، فقد أخطأ ولم يصب . إن الإنسان يستطيع أن يراعي الدقة العلمية التامة في البحث ، متذكرا دينه كل التذكر . إن التدين الصحيح يزيد الباحث المتدين حرصا على الحق ». أما شكيب أرسلان فيقول في المقدمة التي وضعها لكتاب الغمراوي : « ليس طه حسين في هذا الرأي القاتل ، والمنطق المقلوب إلا مقلدا لمرغليوث ، أو لغيره من الأوروبيين بسابق عقيدة سخيفة فاشية للأسف في الشرق ، وهي أن الأوروبي لا يخطئ أبدا ».
وقد كان للصحافة دور بارز في هذه المعركة ، حتى أننا نجد أن بعض الصحف تخصصت في النشر للمؤيدين لطه حسين ، وأخرى قد تخصصت للنشر للمناوئين له . حيث نجد مثلا السياسة لا تنشر إلا للمؤيدين . في حين أننا نجد أن جريدة كوكب الشرق تنشر للمناوئين. ومما تداول على صفحات الجرائد في القضية ما نشرته جريدة الأهرام في مقال لمحمد عبد المطلب بتايخ02 – 05 – 1926 تحت عنوان الشعر الجاهل والأستاذ طه حسين . ومما جاء فيه قوله : «وارحمتا للإسلام يحرص على سعادة بني الإنسان ، ويحرصون على شقائه . ولئن كان قد شقى بأعدائه قديما ، لهو اليوم بأهله أشقى . فقد أصبحوا يعدون من مفاخرهم عقوقه ، والخروج عليه لا عن مصلحة اجتهاد ، ولكن إرضاء لأعدائه ، وتقليدا لأولي العزة والأيد منه . وشاع ذلك حتى صار من محاسن البدع وإذا جاز أن يعذر جاهلهم بجهله ،فما عذر من ضل على علم » .
ثم هدأت المعركة بعض الوقت ، لتعود من جديد سنة 1932 ، حين يصرح طه حسين أن وزير المعارف طلب منه ، أن يقدم الدكتوراه الفخرية لبعض الوجهاء ، فرفض طه حسين وقال أن عميد الجامعة ليس عمدة تصدر إليه الأوامر . ويقول أنه في نفس السنة ، زار الملك فاروق الجامعة ، وطلب الأساتذة من طه حسين أن تكون محاضراتهم بالمناسبة ، فرفض طه حسين ، وتفاجأ الملك حين وجد المحاضرة في القانون الدستوري ، فقال هذا عمل من تدبير اللعين طه حسين . فأوعز إلى البرلمان أن يفتح قضية الشعر الجاهلي . وبالفعل عادت قضية الشعر الجاهلي من جديد على صفحا الصحف . حيث وجدنا الأهرام تنشر بتاريخ 19-03-1932 مقالا للمازني . ومما جاء فيه قوله : «إن ضرر الدكتور طه حسين بعقول الناشئة ، لم يقف عند الجامعة مصرية ، بل تجاوزها إلى البلاد العربية المجاورة . وكيف كلف طلبته أن ينتقدوا القرآن ، ويسجلوا آراءهم في كراسة ، فيذكروا أن هذه آية ضعيفة ، وتلك آية ركيكة ، وتلا فصولا من كراسة لأحد الطلبة استملاها من محاضرة لطه حسين على الطلبة في القرآن ، وفيها يحث الطلبة على نقد القرآن ، ويذكر لهم أن في القرآن أسلوبين مختلفين : أسلوب جاف ، وهو مستمد من البيئة التي نزل بها . فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تغير الأسلوب وأصبح لينا » .
من القضايا المهمة التي أذكت نار المعارك الادبية في العصر الحديث ، قضية القديم والجديد . وقد كان من أوائل النقاد الذين خاضوا هذه المعركة طه حسين الذي كان ينتصر للجديد انطلاقا من موقفه من الذات . حيث كان الجديد يمثل التوجه الذي ينتصر للذوبان في الآخر . ومن هنا كانت مقولة طه حسين الشهيرة إذا أردنا أن ننهض فعلينا أن نأخذ الغرب حلوه ومره ، حسنه وسيئه . ويرى طه حسين في كتابه حديث الابعاء أن معركة القديم والجديد قد بدأت بالمقال الذي نشره الرافعي في السياسة تحت عنوان أسلوب في العتب . وقد ذهب فيه مذهب المتكلفين فأنكر عليه بعض الكتاب ذلك ، فكان يرد عليهم بفجاجة وعنفوان ، فنجم عن ذلك عراك وخصام . ومن خلال هذا الخصام كان الخصام العنيف بين طه حسين والرافعي في قضية القديم والجديد . يقول طه حسين ردا على مقال الرافعي الذي يستهزئ فيه بالمجددين « يزعم أن المذهب الجديد في الادب ليس في حقيقة الامر إلا نتيجة لضعف في اللغة والادب العربي ، وقوة في اللغة والادب الاجنبي . وأن الذين يزعمون أنهم أنصار المذهب الجديد ، إنما هم قوم ضيعوا حظهم من لغة العرب وآدابهم ... نعتقد أن الاستاذ الرافعي مسرف في هذا الحكم . ولعل مصدر إسرافه أنه أخطأ فهم ما يكتب أنصار المذهب الجديد . وهو إنما أخطأ الفهم لأنه أخطأ الذوق » . ويرجع سماجة الذوق عند الرافعي بسبب جهله للغات الاجنبية . حيث يقول : « ومما يحسن أن ننبه إليه الاستاذ الرافعي في رفق ولين أيضا ، أنه يسرف في سوء الظن بأوروبا وأمريكا ، ولا يفهمهما ولا يتذوقهما ، فهو يخطئ في الحكم على أوروبا وأمريكا . وهو مسرف حين يظن أن في أوروبا وأمريكا من الغفلة مذهبا ، ومن الرقاعة مذهبا ، ومن تسفل الشهوات مذهبا ، ومن الجنون مذهبا ن ومن كل شذوذ مذهبا ، ومن غير المذهب مذهبا » .
المعركة بين الرافعي والعقاد
بدأت هذه المعركة في إطار المعركة الكبرى بين القديم والجديد . حيث كان الرافعي أبرز من كان يمثل القديم ، في حين كان العقاد أبرز من كان يمثل الجديد . وقد بدأت هذه المعركة بالفعل حين نال الرافعي حظوة الطباعة الملكية لكتابه تحت راية القرآن ، فكتب العقاد للرافعي ورقة يبدي فيها استياءه من الكتاب . ولم يقف العقاد عندها بل تجرأ وصرح أن تقديم سعد زغلول للكتاب كان مجرد مجاملة اضطر إليها زغلول تحت إلحاح الرافعي . مما جعل الرافعي يجند قلمه بمجموعة من المقالات النارية ، شديدة اللهجة جمعت في ما بعد في كتاب على السفود ، الذي يشير إلى الاسباب التي دفعت الرافعي لتحرير هذه المقالات . وقد حصرها في أسباب ثلاثة :
1 – انكار العقاد للاعجاز :وقد ذكر الاستاذ فتحي رضوان شيئا من ذلك عن العقاد في كتابه عصر ورجال ص 229 حيث يقول : « وفي يوم كنا نتكلم عن القرآن ثم طال بيننا الحديث حتى وصلنا إلى باب مكتبي ، فوقفنا فينة على عتبة الباب ، فقال العقاد تعليقا على سورة الناس : لو نسبوا إلي هذه السورة لتبرأت منها . ثم راح يتلوها مكررا كلمة الناس هازا رأسه علامة استهجان » .
2- اتهامه للرافعي بالجهل : حيث اعتبر كتابه في الاعجاز ليس فيه شيء يتعلق بالاعجاز . وقد صرح بهذا في كتابه ساعات بين الكتب ص 8 حيث يقول : « ليس فيه شاهد واحد على معجزات الكلام ، ولا هو نهج فيه . ذلك المنهج الذي أحسن فيه الجرجاني أيما إحسان . فإنما الثناء على القرآن في كتاب تناهز صفحاته 400 ، حسنة طيبة يكتب للرافعي أجرها وثوابها عند الله ولكنها لا تكتب له في سجل المباحث والعلوم .»
3 - اتهامه للرافعي بالكذب : حيث اتهم الرافعي بافتراء الكذب على سعد زغلول ، وزعم أن سعدا كتب له كتابا يبدي فيه اعجابه بكتابه اعجاز القرآن ، وأنه قد وصف كتابه بأنه وكأنه تنزيل من التنزيل ، أو قبس من الذكر الحكيم . وقد أكد ابراهيم الجزيري صحة كتاب سعد زغلول وأن سعدا قد كتيه بخط يده ، وناذرا ما كان يفعل ذلك .
نموذج من السفود
قال الرافعي يقول العقاد
ضل هادي العيون واحلولك الليل فلا فرق بين أعمى وهر
ولهذا الظلام خير من النور إذا كنت لا ترى وجه حر
هنا تظهر سخافة هذا العقاد بأجلي مظاهرها . فكلامه لئيم ، وأسلوبه لئيم ، وسرقاته لئيمة . يريد انك ما دمت لا ترى وجه حر من الناس ، فالظلام خير من النور . إنه يسرق ألأم سرقة من القائل :
أتمنى على الزمان محالا أن ترى مقلتايا طلعة حر
معركة وحي الاربعين
وقد مرت هذه المعركة بمرحلتين : المرحلة الاولى كانت في حياة الرافعي ، وكانت مباشرة بين العقاد والرافعي . حيث حدث أن زار الرافعي وتلميذه العريان حين صدر ديوان الرافعي وحي الاربعين الاستاذ مخلوف ، الذي أبدى لهما امتعاضه وسخطه الشديد على الديوان ، والذي بالنسبة إليه لا يمثل الشعر في شيء . فشجعه الرافعي على الكتابة في هذا المجال . وبالفعل كتب مقالا ينتقد فيه العقاد في ديوانه وحي الاربعين في جريدة المقطم . مما جعل العقاد يرد عليه في نفس الجريدة لكن بأشد قساوة ، تعداه ليشمل كل المعلمين . ومما جاء منه قوله « من كان هذا مبلغ علمه بالنحو ، لم يؤتمن على تصحيح كراسات ، ووضع الدرجات للاطفال ، فضلا عن تصحيح الدواوين » . فأوعز العريان للرافعي ليدافع عن مخلوف ويرد على العقاد .ةفاستل الرافعي قلمه وهاجم الرافعي هجوما عنيفا على صفحات البلاغ . ومما جاء في رده قوله :« وقدم لنا شعره على أنه التجديد والعبقرية ، وأنه وأنه وليعدد ما شاء من الاوصاف ، ولكن ماذا ينفع ملكة جمال أن يكون فيها كل شرائط الجمال وهي عوراء » . ويرى الرافعي أن سبب سقوط العقاد وفجاجة اسلوبه ، هي اشتغاله بالصحافة التي يحرص فيه على الاقتراب من الدهماء والسوقة ، وهي لغة تبعده عن اللغة الفصيحة الصحيحة .
السبب الثاني هو عدم تمكنه من الاساليب العربية العريقة .
وأعقب الرافعي هذا المقال بمقال ثاني في اليوم الموالي تحت عنوان البعرة تدل على البعير . راح فيه يتتبع أخطاء الرافعي اللغوية في ديوانه وحي الاربعين . ويبين أبرز جوانب السرقة عنده ، ويقف عند المعاني الكثيرة التي أخذها من ابن الرومي ، مع أن ابن الرومي كان فيها أدق . ليضطر العقاد ليرد على ما اتهمه به الرافعي في جريدة الجهاد بمقال تحت عنوان سماسرة الادب ، وهما اسماعيل مظهر وصادق الرافعي ، الذي قال عنه : « ما كتب هذا الرجل حرفا إلا ليقول عني أنني لست بكاتب ، ولست أحسن فهم الشعر والبلاغة . وما كتبت حرفا في النقد والبلاغة ، إلا سعى إليه يقرؤه ويحفظه ليسرق منه ما يصل إلى عقله الكليل » . وختم مقاله بسب الرفعي وتعييره بالصمم ، وبافتخاره بأن شهرة العقاد قد تجاوزت مصر ، لتأخذ الصبغة العالمية ، حيث يقول : « أما العقاد فحسبك أن أبحاثه في الادب ومقاييسه في النقد ، وجهت الادب العربي بحق إلى وجهة جديدة ، وأماطت اللثام عن أصنام من خشب ، وجبال من طين ، وحررت العقول من عبودية أمساخ القبور ، وأحلاس القديم الذين قيدوا حركة الادب ، وقتلوا كل روح فيه . فليكتب الرافعي ما ينضح به إباؤه وإباء أمثاله ، فقد عرف أدباء تونس وغير تونس مكانه من عربات المجالس البلدية » .
المرحلة اثانية
وقد كانت بعد وفاة الرافعي . وقد تميزت بأنها كانت الاغنى والاخصب والانفع للادب ونقده . وقد بدأت بعد أن بدأ محمد سعيد العريان يكتب سيرة الرافعي على صفحات جريدة الرسالة ، إلى أن وصل إلى معركة وحي الاربعين ، حيث تعاطف مع الرافعي ، مما أثار حفيظة سيد قطب ، فكتب يرد على العريان مدافعا عن أستاذه العقاد . وقد ميز هذه المرحلة في تعمقها في ابراز خصائص مدرسة القديم والجديد . ويمكن أن نلخص النقاط التي ركز عليها سيد قطب في رده على العريان في ما يلي :
1 – عنايته الشخصية بالفروق الجوهرية بين مدرسة التجديد ومدرسة القديم .
2 – أن العقاد في رده لم يكن ينطلق من ضغينة وإنما كان ينطلق من ايمانه بفكرة .
3- تقوم المدرسة القديمة على المبالغة وهي قمة البلاغة عندهم .
4 – تقوم المدرسة الجديدة على الصدق الفني فلا يهمها أن تجمع صفات الجمال ، وتلصقها بممدوحها ، بقدر ما يهمها أن تبرز مكامن الجمال في الممدوح .
5- ابراز عبقرية العقاد من خلال عمقه الفكري ، لا من خلال ابداعه اللغوي ، حيث يقول : « إن اللغة والاسلوب لا ينفعان في فهم العقاد ، ويكفيان تماما لفهم الرافعي » .
وقد انبرى الاستاذ محمد شكري يرد على سيد قطب في اتهاماته للرافعي . حيث يتهمه بالنفاق . إذ ليس من المروءة في شيء الرد على رجل لا زال حديث العهد بالموت ، ولم يجف ترابه بعد ، وإنما فعل ذلك تزلفا للعقاد ، وهذا نفاق صراح لا يليق لذي مروءة وأخلاق . ثم يبرز ضعف حسه النقدي ، وضعف ذوقه الشعري ، حين يستحسن بيتين للعقاد يقول فيهما :
فيك مني ومن الناس ومن كل الوجود وموعود تؤام
فنعى عليه جمع كل ما في الكون في حبيبته ، لأن هناك أشياء قبيحة . فالتعميم يجعل من الحبيبة كما رأى الرافعي فيها شيء من البق والقمل والنمل . وقدم البديل الصحيح من الشعر العربي من مثل قول جرير:
ما استوصف الناس من شيء يروقهم إلا أرى أم عمرو فوق ما وصفوا
أو قول الصولي
أعرف منها شبها كل شيء حسن
ثم اخذت هذه المعركة بين الرافعييين والعقادييين منحى آخر ، وهو المعركة بين القديم والجديد . وقد فتح هذا المنحى الجديد هو محمد أحمد الغمراوي ، الذي قرر منذ البداية أن المعركة ليست معركة بين العقاديين والرافعييين ، ولكنها معركة بين الحق والباطل وبين المعركة بين القديم والجديد . هي معركة في حقيقتها بين حضارتين مختلفتين ، حضارة عربية اسلامية وحضارة غربية . حيث كان يرى أن الذين حاربوا الاسلام لم يحاربوه مباشرة ، وإنما حاربوه عن طريق التزيين للناس المضي في اقتناء الحضارة الغربية ، ليبتعدوا عن دينهم لكي لا يكون التوجه للغرب عن طريق التكنولوجيا فقط ، وإنما ينبغي ان يكون ايضا عن طريق الآداب والفنون . ومن هذا المنطلق فقد خلص إلى نتيجة مفادها ، أن الذين كانوا يدعون إلى التجديد في الادب ، إنما كانوا في الحقيقة يدعون إلى هدم الدين ، وإبعاد سلطته على النفوس . وأن الذين كانوا يدعون إلى القديم ، كانوا في الحقيقة يدعون إلى العودة إلى احضان الدين . ومن هذا المنطلق سمى التوجه الرافعي بالمدرسة القرآنية .
- Teacher: AMMAR HALASSA