جامعة قاصدي مرباح ورقلة

قسم الحقوق

 

 

محاضرات

مقياس المجتمع الدولي -      A400

سنة أولى حقوق جذع مشترك

 

 

أ د/ عصام بن الشيخ

 

 

 

 

الموسم الجامعي:

2025 – 2026

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     يدرس مقياس المجتمع الدولي Inernational Community عبر مقاربة قانونية ظاهرة الجماعة الدولية، المكونة من جميع الدول والفواعل الدولية مثل: (الدول، المنظمات الحكومية فوق الوطنية، المنظمات غير الحكومية للمجتمع المدني الدولي، الشركات متعددة الجنسيات، و الأفراد)، الذين يلتزمون بالتعاون على تطبيق القانون الدولي والالتزام باللوائح الناظمة التي تعزز تضامن الجماعة الدولية، وتدعم ماسك المنتظم الدولية، في مواجهة الصدمات المستقبلية، والتصدي للتهديدات الكوكبية الشاملة مثل الجوائح والفاشيات الأمراض والنزاعات وجرائم الحرب والكوارث الطبيعية وتغير المناخ.

    يتناول هذا المقياس في 13 محاضرة (تاريخ ظاهرة المجتمع الدولي – نظرية الدولة وتطور الجماعة الدولية – ماهية الدولة ولمنظمة الدولية الحكومية فوق الوطنية، ماهية الفواعل غير الدولتانية كالمنظمات غير الحكومية وحركات التحرر الوطني والشركات الكبرى متعدددة الجنسيات). كما ستوضح هذه المحاضرة أهم الأطر النظرية لشرح الظاهرة عبر نظريا التنظيم الدولي – نظرية المدرسة الوظيفية للاتصالية – نظرية التعاون والاعتماد المتبادل والكوميتولوجي – المقاربة المؤسسية والنظرية البنائية – النظرية المثالية والمدرسة الإنجليزية – نظرية الحكومة العالمية. وستستخدم هذه المحاضرة منه تحليل المضمون للقيام بقراءة قانونية لمضامين المواثيق الدولية ذا الصلة بظاهرة الجماعة الدولية (كميثاق الأمم المتحدة – الإعلان العلمي لحق وق الإنسان – العهدين الدوليين للحقوق – اتفاقيات فيينا لحقوق الإنسان – النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية..).

 

 

 

 

الجزء الأول للمحاضرات:

 

المحاضرة الأولى:

ماهية المجتمع الدولي: دراسة نظرية - اصطلاحية ايتيمولوجية - إجرائية

المحاضرة الثانية:

التطوّر التاريخيّ للمجتمع الدولي: كرونولوجيا تشكّل الجماعة الدوليّة

المحاضرة الثالثة:

نظرية الدولة وتشكّل الاسرة الدوليّة: من الحقّ الإلهي والتفويض، إلى العقد الاجتماعي 

 

  **************************

المحاضرة الأولى:                                                              الثلاثاء: 30/09/2025

ماهية المجتمع الدولي:

Nature of International Community:

دراسة نظرية اصطلاحية ايتيمولوجية إجرائية

A Theoretical, Terminological, Etymological, and Operational Study

 

*ــ مقدمة.

*1ــ التعريف الاصطلاحي للظاهرة (دراسة ايتيمولوجية)

*2ــ التعريف الإجرائي للظاهرة: تحليل لمضامين المواثيق الدولية.

*3ــ منظور الكلاسيكيين لظاهرة المجتمع الدولي: هدلي بول و مارتن رايت أنموذجا.

*4ــ منظور المجددين لظهارة المجتمع الدولي: باري بوزان و إيان كلارك و آدم واتسون.

*5ــ نماذج العلاقات الدولة للمجتمع الدولي: منظور جون بيرتون و آرنولد وولفرز نموذجا

*ــ الخاتمة.

*****************************************

*ــ مقدمة.

    يقتضي تأسيس مجتمع طبيعي معيّن، توفّر عنصريّ "التعدّد" و "الرابطة"، حتى تتكوّن شخصية هذه الجماعة وهويّتها، فلا يكون المجتمع الدولي The Internaational Community متشكّلا، إلاّ عبر التجمّع والتعدّد (تعدّد الأطراف Multilateralism)، ويكون الارتباط The Linkage بين الوحدات الأساسية (الأفراد)، قاعدة رئيسيّة لتشكّل الجماعة، وتكون (الدولة) الوحدة الأساسيّة التي يتشكّل منها المجتمع الدوليّ.

    فالمجتمع المحليّ الداخليّ هو مجموعة الأفراد الخاضعين لسلطة ما، ويكوّنون جميعا ما يسمّى (الدولة/ The State)، في حين ينظر للمجتمع الدوليّ من زاوية اجتماع الدول التي تلتزم بقواعد القانون الدوليّ ولا شأن للأفراد بها. فهل يقتصر الاعتراف بظاهرة المجتمع الدولي على الشخصية القانونية للدولة فقط؟، أم أنّ هناك فواعل إضافيّة أخرى؟.

*1ــ التعريف الاصطلاحي للظاهرة (دراسة ايتيمولوجية).

    لتجاوز المشكلة المعرفية / الابستيمولوجية التي تعتبر المفاهيم الفضفاضة وغير المحددة قانونيا بشكل حاسم (ظواهر ملتبسة و زئبقية كاكوفونية)، يمكننا الاستناد إلى تعاريف القواميس القانونية الشهيرة للانتهاء من التعريف اللغوي للظاهرة المبحوثة في هذه المحاضرة. إذ تستخدم هيئة الأمم المتحدة مصطلح Community / Society للتعبير عن تعاون الفواعل الدولية من الدول والمنظمات الحكومية وغير الحكومية والشركات الدولية والأفراد، التي تشارك في فعل دوليّ معيّن لحماية الإنسان أو فرض عقوبات معيّنة، من خلال الالتزامات المكتوبة أو السياسات المحيّنة.

    فوفقا للموسوعة الإيطالية، المجتمع الدولي، هو مركب كلمتي (مجتمع و دولة)، هو "تجمع لعدّة كيانات تدير العلاقات فيما بينها وفق قواعد القانون الدولي"، ويعرّفه معجم جامعة كامبريدج أنّه إشارة إلى "اجتماع دول العالم بشكل جماعيّ لإدارة شأن ما".

    وتبقى إشكاليّة مركزيّة الغرب والمراجع الغربية التي تحتكر رصد المفاهيم الناظمة التي بنى عليها النظام الدولي على أساس المركزية الأوروبية The Euro-centric والذي يهمّش منظورات بقية الأمم للظاهرة المبحوثة في هذه المحاضرة.

*2ــ التعريف الإجرائي للظاهرة: تحليل لمضامين المواثيق الدولية.

    استخدم ميثاق الأمم المتحدة مصطلح (المجتمع الدوليّ) بقوله أنّخ (وصف الزام جماعيّ للدول الأعضاء لحفظ السلم، حقوق الإنسان، التعاون)، وفي وثيقة قانونية أخرى تخصّ حقوق اللاجئين استخدم المصطلح لوصف الفاعلين الدوليين والمنظمات الدولية. وتنصّ المادة 4 من ميثاق الأمم المتحدة على أنّ الدخول والانتماء إلى الأسرة الدولية ينبني على معيار وحيد هو تكون الدولة (محبّة السلام)، وهذا ما يعني أنّ هذا المجتمع يتسع لكونه مجتمعا مفتوحا (غير مغلق)، وكلّ من له شخصية قانونية (دول مستقلة)، فهو مخاطب من القانون الدوليّ، ومدعوّ للانضمام إلى المجتمع الدولي وإلى المنتظم الدولي (هيكليّا).

    هناك مسألة ينبغي الإشارة إليها تتعلق بمخاوف الدول من التزامات الانضمام للمجتمع الدولي، مثل قضية "أسبقية القانون الدوليّ على القانون الوطنيّ"، فهناك دول تعتمد مبدأ السيادة المطلقة ولا تعتمد إلزامية القانون الدولي على الصعيد المحليّ، مثلا الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا لا تعتمد القوانين الدولية إلاّ حين تتوافق مع قوانينها الوطنية، أما بريطانيا التي تعتمد النظام الثنائي فهي لا تعتمد القوانين الدولية إلاّ بعد تصديق البرلمان عليها. أما في فرنسا والجزائر وهولندا فهذه نماذج للدول التي تقرّ دساتيرها على أسبقية القوانين الدولية على القوانين الوطنية، وتقوم بتكييف قوانينها الوطنية مع الاتفاقيات الدولية بعد التصديق على المعاهدات أو الاتفاقيات المنشئة لها. أما في روسيا الاتحادية، فقد كانت موسكو تعتمد عام 1993 قاعدة أولوية المعاهدات الدولية ثم عدّل دستورها هذه القاعدة وأصبحت القوانين الوطنيّة أسبق من القوانين الدولية.  

*3ــ منظور الكلاسيكيين لظاهرة المجتمع الدولي: هدلي بول و مارتن رايت.

     يرى الانجليزيان هيدلي بول Hedly Bull  (1932 – 1985)، ومارتن وايت Martin Wight (1913 – 1972) أنّ الكوسموبوليتانية The Cosmopolitanism التي جاء بها إمانويل كانط Immanual Kant (1724 – 1804) حول مشروع السلام الدائم عام 1795، هي التي اقترحت قيام اتحاد دوليّ لضمان السلم يؤكّد انتماء جميع البشر إلى مجتمع عالميّ واحد. وهذا يعني أنّهما يعيدان تأسيس المجتمع الدوليّ إلى حقبة عصر الأنوار. ويعيد هيدلي بول في كتابه (المجتمع الفوضويّ) عام 1977 ظاهرة "غيبة الحكومة العالمية" الدافع الأساس الذي جعل القانون الدوليّ يؤسّس الجماعة الدوليّة على قواعد راسخة تمنع الدلو من التصادم. كما أنّ مارتن وايت وهو من أوائل من صاغ مفهوم "المجتمع الدوليّ"، يرى أنّ الدول تعترف ببعضها البعض وتتعاون لتشكّل مجموعات إقليميّة، ثم تتوسّع. لذلك، يدعم روّاد المدرسة الإنجليزية تأسيس المجتمع الدوليّ على أساس القواعد والمؤسسات ذات السيادة.

*4ــ منظور المجددين لظهارة المجتمع الدولي: باري بوزان و إيان كلارك و آدم واتسون.

    يؤكّد الباحث السويسريّ باري بوزان Barry Buzan وهو أحد روّدا المدرسة الإنجليزية في العلاقات الدولية The English School، يؤكّد أنّ المجتمع الدولي ليس متجانسا متمايزا (دستوريا، مؤسسيا، ثقافيا، اقتصاديا، سياسيا)، لذلك يتحدّت عن النماذج المثالية للمجتمع الدولي غير المتجانس مثل: (التمايز الوظيفي Fonctional Differentiation الذي تتوزع فيه أدوار الدول تبعا لانتمائها الجغرافي/ التمايز الهرمي العمودي للامتيازات The Hierarchy Model الذي تترتب فيه القوى الدولية على أساس معياري القوة والهيمنة/ والتمايز القطاعي للوحدات المتشابهة Segmentary Model الذي تتمايز فيه الدول تبعا لمصالحها/ والنموذج المختلط Hybrid).

    أما الباحث إيان كلارك Ian Clark فيرى أنّ المجتمع الدولي هو نموذج قائم على اليادة وشرعية المؤسسات المستندة على القانون الدولي. أما آدم واتسون Adam Wetson فيرى أنّ المجتمع الدولي متحرّك وليس ثابتا، ويتحرّك بين حدّي الهيمنة الإمبراطوريّة والاستقلال (بعد الاستعمار)، وهو نموذج بنائي هيكليّ Structuralist. في حين يركّز الباحث نيكولاس ويلرNicholas Wheeler على حماية سيادة الشعوب من قبل المجتمع الدولي. ونموذج أندرو هورال Andrew Hurell الذي ينبّه لدور الفواعل الجدد في عصر العولمة، مثل الشركات الدولية متعدّدة الجنسيات.

*5ــ نماذج العلاقات الدولة للمجتمع الدولي: منظور جون بيرتون و آرنولد وولفرز نموذجا

   يرى الباحث الأسترالي جون بيرتون John Berton (1915 -–2010) أنّ نموذج العلاقات الدولية يشبه نموذج شبكة العنكبوت The Spider Web Model، حيث تعتبر كلّ دولة عقدة Node والخيوط هي شبكة الاتصال (العلاقات التجارية للاعتماد المتبادل)، وهو نموذج مستوحى من نموذج النظرية الاتصالية للألماني كارل دوتش Karl Deytsch (1912 -1992) (أحد رواد المدرسة الوظيفية)، والذي اشترط (الكثافة العالية للتفاعلات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وتجانس القيم بين الدول، وبناء الثقة عبر أواصر التعاون والجوار، وتعزيز هذه الثقة عبر اتفاقات مشتركة ومؤسسات فعالة تدر الاختلافات بين الدول)، حتى نحكم على نجاح التعاون بين أطراف المجتمع الدولي الحقيق والفعّال.

    يرى الباحث السويسري آرنولد وولفرز Arnold Wolfers (1903 – 1968) أنّ المجتمع الدولي يشبه نموذج كرات البلياردو Belliard Ball model ويشبّه الدول بكرات البلياردو وطريقة تحركاتها، ولا يكتفي بدراسة النظام السياسي للدولة لدراسة سلوك صناع القرار فيها، لأنّ الدول المنعزلة معرضة للاصطدام في نموذج كرات البلياردو، وعليها أن تتفاعل وتتحرك لتفاديّ تعرّضها لاختراق السيادة مثل الغزو أو العقوبات مثلا.

     وهناك تقارب بين منظور هيدلي بول صاحب كتاب (المجتمع الفوضوي، 1977)، ونوذج المدرسة البنيوية في العلاقات الدولية الذي تحدث عنه الباحث ألكسندر فاندت Alexander Wendt صاحب مقولة: ((الفوضى، هي ما تجعلنا عليه الدول)).

*ــ الخاتمة.

    يقتضي بناء مجتمع دوليّ واقعيّ حقيقيّ وسلميّ، التزام جميع الدول الأعضاء والفاعلين، باحترام وتطبيق القانون الدولي، خاصة فضّ النزاعات الدولية بالطرق السلمية، واحترام قرارات مؤسس المنتظم الدوليّ لضمان استمرار التعاون الدولي، شرط أن تكون هذه القرارات شرعية وتضمن العدالة والمساواة مهما كان وزن أو ثقل الدولة.

*********************************

*ــ مراجع المحاضرة للاطلاع:

1ــ ميثاق الأمم المتحدة 1945 Charter of the United Nations

2ــ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 Universal Declaration of Human Rights

3ــ ديفيد ديلاني، الإقليم: مقدمة قصيرة (ترجمة: شيماء طه الريدي) (القاهرة: دار هنداوي، 2017).

4ــ مايكل شيهان، توازن القوى: التاريخ والنظرية (ترجمة: أحمد مصطفى) (القاهرة: منشورات المركز القومي للترجمة، العدد: 2585، 2015).

5– James Dougherty, Robert Pfaltzgraff, Contending Theories of International Relations (New York: The John Hopkins University Press, 1971).

6– Michael G. Roskin Nicholas O. Berry, The New World of International Relations (New York: Pearson Pub., 10th Edn., 2015).

7– Phillip Darby, From International Relations to Relations International: Postcolonial Essays (Melbourne: University of Melbourne, Routledge Edn., 2016).

 

  **************************

المحاضرة الثانية:                                                              الثلاثاء: 07/10/2025

التطوّر التاريخيّ للمجتمع الدولي:

Evolution of International Community:

كرونولوجيا تشكّل الجماعة الدوليّة

Chronology of International Community Formation

*ــ مقدمة.

*1ــ العلاقات الدولية في العصور القديمة: (الميزوبوتاميا، الاغريق، الصين، مصر الفرعونية)

*2ــ القانون الروماني للمجتمع الدولي المغلق: مساهمة ايراسموس، قانون جستينيان.

*3ــ المجتمع الدولي في عصر النهضة: دي فيتوريا، جنتيلي، غروتيوس أنموذجا.

*4ــ تأسيس المجتمع الدولي المفتوح بعد مؤتمر ويستفاليا 1648م.

*5ــ صناعة الدولي: عصبة الأمم والمؤسساتية الدولية.

*6ــ فكرة الأمميّة وظاهرة المجتمع الدوليّ المعاصر.

*7ــ منتقدو الاعتراف بظاهرة المجتمع الدولي: أسباب الإخفاق الأمميّ.

*ــ الخاتمة.

*****************************************

*ــ مقدمة.

    يعتبر الفقهاء والمؤرخون أنّ من المجازفة العلميّة التصريح بأنّ القانون الدوليّ وظاهرة المجتمع الدوليّ موجودان قبل 8 آلاف أو 4 آلاف سنة في الحضارات البابلية أو المصرية أو اليونانية أو في الصين. لكن هذه الحضارات القديمة كانت تحترم التعاقدات الخاصة بالمعاهدات التجارية أو قوانين الحروب منذ الأزمنة القديمة، خاصة وأنّ عنصري المجتمع الدوليّ متوفّران وهما (الدولة والرابطة)، غير أنّ البحث حول ظاهرة خضوع الدول بعضها للبعض الآخر في زمني الحرب والسلم، يدعوا إلى التشكّك حول مسألة استمرار أو تكرار (عدم انقطاع) علاقات الدول القديمة. فهل الجماعة الدولية ظاهرة قدية؟، وهل كانت تخصّ الامبراطوريات الكبرى وتستثني الأقاليم والمدن الصغرى؟، وهل كانت العلاقات فيما بينها مستمرة أم منقطعة؟.

*1ــ العلاقات الدولية في العصور القديمة: (الميزوبوتاميا، الاغريق، الصين، مصر الفرعونية):

    تتناول كتب التاريخ حضارة بلاد الرافدين (ما بين النهرين) الميزوبوتاميا Mésopotamie القرن 18 قبل الميلاد (1750 ق.م)، وتعتبر أنّها صاحبة أقدم مدونة قانونية محلية لحضارات (بابل، سومر، أكاد، آشور)، والتي تضمّ أقدم تجارب المدن-الدول City States والتي تقيم المعاهدات الخاصة بالسام والتجارة وترسيم الحدود وتقوم بالغزو والتوسع عبر الفتوحات، ولها تحالفات مع الأسر الحاكمة في الأمم الأخرى، وفرضت جزية على الدول الأضعف عبر نفوذها الامبراطوري. كما استخدم الصينيون نظام الجزية بالخارج Tributary System في ممارسة الصينيين للتجارة عبر طريق الحرير The Silk Road، حيث كانت الصين تنظر إلى نفسها كمركز للعالم وأنّها (كلّ ما تحت السماء). أما الاغريق فكان لدهم نظام (المدن – الدول Polis) وكانت تعقد معاهدات وهدن حرب واتفاقات سلام، وكذلك فعل الفراعنة في حروبهم مع الحيثيين (في معركة قادش 1258 ق.2)، ومن خلال رسائل المصريين إلى حضارات بابل وآشور والليبيين وتل العمارنة.

*2ــ القانون الروماني للمجتمع الدولي المغلق: مساهمة ايراسموس، قانون جستينيان:

    كما هو معلوم، اعتمد الإغريق قانون دراكو Draco عام 594 ق.م والذي كانت عقوباته بالغة القسوة، ما دفع بهم إلى اتماد إصلاحات المشرّع صولون Solon لتخفيف أحكامه وجعلها أكثر اعتدالا، وهي نفس مشكلة شريعة حمورابي 1750 ق.م في بابل بلاد الرافدين (العين بالعين والسن بالسن). لكن بدراسة القانون الروماني الصادر بعد الميلاد، نجد مدونة جستنيان Justinian في القرن6 م، والتي تتضمن المعاهدات والقوانين. أما ايراسموس الروتردامي (1466 – 1536) Desiderius Erasmus of Rotterdam فقد ساهم في تأسيس فكرة المجتمع الدولي عبر الأسرة المسيحية لتعزيز فكر التسامح والإصلاح والعقلانية بدل العنف وجرائم الحرب واستخدام الدين، وكان الهدف من قانونه هو توحيد أوروبا المسيحية، وتأسيس مجتمع دولي مغلق.

    يمكن التذكير بأنّ نظام الجزية الصيني Tributary System ونظام العُشورTithe / Dîme / عُشور التجارة) وهو النظام الديني الذي اعتمد كنظام للزكاة في اليهودية والمسيحية والإسلام، تحول إلى رسوم تجارية كالتي تفرضها الإدارة الأمريكية الحالية، وقد احترمت الأمم الأخرى هذا النظام الدينيّ الذي فرضت أمم التشريعات السماوية، واعترفت بها لعدة قرون مضت.

*3ــ المجتمع الدولي في عصر النهضة: دي فيتوريا، جنتيلي، غروتيوس أنموذجا:

    بعد اقتراح ايراسموس في القرنين 15 و 16م (انتقاد الحروب بين الملوك المسيحيين/ السلام والتحكيم بدل القوة)، جاء فرانسيسكو دي فيتوريا (1483 – 1546) Francisco de Vitoria  مقترح القانون الطبيعي الكوني الذي دافع من خلاله على حقوق الشعوب الأصلية في أمريكا ضد الاستعمار الاسبانيّ، من خلال كتابته قانون الشعوب Jus Gentium ليضفي البعد القانوني للعلاقات بين الشعوب. ثم جاء الفقيه الإيطاليّ ألبيرتو جنتيلي (1552 – 1608) Alberto Gentili، الذي حاول تقنين قواعد الحرب (من يعلنها/ كيف تدار/ معاملة الأسرى)، مستندا إلى الأعراف والاتفاقيات الدولية إضافة إلى الدين. ثم جاء الفقيه القانوني الهولنديّ هوغو غروتيوس (1583 – 1645) Hugo Grotius والذي يعتبر الاب المؤسّس للقانون الدوليّ، والذي كتب عام 1625 قانون الحرب والسلام وكتب قواعد البحر وحركة الملاحة والتجارة، وحاول جعل القانون الدولي مستقلا عن التأويل الدينيّ، وجمع بين الأخلاق والقانون الطبيعي والعرف الدولي.  

*4ــ تأسيس المجتمع الدولي المفتوح بعد مؤتمر ويستفاليا 1648م:

    جاء صلح ويستفاليا بعد الحروب الدينية لثلاثين عاما (1618 – 1648) التي دمّرت أوروبا في حروب عاصفة بين الكوثوليك والبروتستانت، ووضعت أساس النظام الدولي الحديث، ومن أهمها: (منع هابسبورغ من الهيمنة / السيادة المطلقة والعليا للدلو على أقاليمها/ عدم التدخل في شؤون الدول/ المساواة بين الدول مساواة قانونية/ نهاية مبدأ حماية الدين كذريعة للتدخل العسكري/ التوازن بن القوى). لذلك يعتبر مؤتمر ويستفاليا لحظة ميلا لأنه أنشأ النظام الدولي الدولتاني State-Centric – System، والذي نظم العلاقات بين الدول بنظام دبلوماسي لتبادل السفراء، ونظم قوانين الحرب والسلم، وشكّل أرضية لتأسيس مجتمع دوليّ خاضع للقواعد. واستطاع هذ النظام الصمود لقرنين أو أكثر رغم الرياح العاصفة للثورات التي عصفت بالدول الأوروبية، وشكّلت تحولا عميقا في مفاهيم حقوق الإنسان ضدّ أنظمة الحكم المطلق.

*5ــ صناعة الدولي: عصبة الأمم والمؤسساتية الدولية:

    تعني مسألة (صناعة الدولي) أنّ تشكيل مؤسسة عصبة الأمم كان مبنيا على أساس قوانين وأفكار المأسسة L' Institutionnalisation  والتي نقلت المجتمعات الدولية الغلقة، نحو المجتمع الدولي المفتوح، فللمرة الأولى عبر التاريخ تأسست منظمة عالمية لها مقر وأمانة عامة وجهاز إداري ومؤسسات متخصصة في فض النزعات الدولية، وتحرص على تطبيق قواعد تنظيم مسائل الحدود والأقليات والانتدابات. لأول مرة يتداول المجتمع الدولي مفاهيم "السلام الدائم" و "الأمن الجماعي".

    تأسست العصبة عام 1920 بعد عقد معاهدة فيرساي 1919 التي أنهت الحرب العالمية الأولى. وكان الدف من تأسيسها (منع الحروب/ نزع السلاح والحد من التسلح/ فض النزاعات بالتحكيم/ حماية الأقليات/ التعاون الدولي). وكان أهم أسباب حلها (عدم انضمام الولايات المتحدة، تأخر انضمام ألماني إلى عام 1926 ثم انسحابها عم 1933، انضمام الاتحاد السوفياتي السابق عام 1934 ثم طرده عام 1939، عجزها عن ردع اليابان التي قامت بغزو منشوريا عام 1931، وعجزها عن منع غزو إيطاليا لأثيوبيا عام 1935، وعجزها عن منع توسع النازية الألمانية خلال السنوات 1936 إلى 1939). ومع ذلك، كانت فكرة المأسسة نتيجة لنقلة نوعية من المجتمعات الدولية المغلقة في النماذج الإقليمية المتنافرة باتجاه أول مبادرة عالمية لتأسيس مجتمع دولي مفتوح.

*6ــ فكرة الأمميّة وظاهرة المجتمع الدوليّ المعاصر:

    بعد سيطرة فرنسا وبريطانيا على عصبة الأمم واستخدامها نظام الانتداب كغطاء للاستعمار، تم حلّ عصبة الأمم رسميا في (18 أفريل 1946)، وهي التي كانت تجربة أممية بلا جيش خاص، وفشلت في منع اندلاع الحرب العالمية الثانية. غير أنّ فكرة الأمميةInternationalism  كرّس فكرة أنّ الأمم ليست جزرا معزولة، بل تتضامن من أجل السلم والعدالة والتقدم، وتهدف إلى تأسيس اتحاد كونيّ تعددي Multilateral قد ينجح في حل مشكلة غيبة الحكومة العالمية، القادرة على فرض سلم وأمن دوليين دائمين، يعززان الاستقرار في كل الدول.   

*7ــ منتقدو الاعتراف بظاهرة المجتمع الدوليّ: أسباب الإخفاق الأمميّ:

    يعتبر نقّاد المجتمع الدوليّ، أنّه ظاهرة متخيلة ينشرها خطاب إيديولوجيّ غامض وغير واقعيّ، ويستخدم كقناع ديماغوجيّ لإخفاء إرادة القوى المهيمنة، ومن بين هؤلاء النقاد (الفرنسي باسكال بونيفاس Pascal Boniface/ الأمريكيّ ناعوم تشومسكي Noam Chomsky/ الألماني كارل شميث Carl Schmitt / الفرنسي أوغستين برات Augustin Pratt.. وغيرهم)، انتقدوا البنية الاستعمارية للفكر الدولي، إذ غالبا ما يقصد بالمجتمع الدولي القوى الكبرى، لذلك تعتبر الإشارة للدول الصغرى ضمن المجتمع الدولي كأسطورة ديماغوجية، فلا يعترف ناعوم تشومسكي سوى بالجمعية العامة للأمم المتحدة، لأنّها الفضاء والمنبر الوحيد الذي يوجد فيه تمثيل متساو لكل دول العالم، عكس مجلس الأمن الذي تسيطر عليه الدول الكبرى باسم الجماعة الدولية؟.

*ــ الخاتمة:

    لم تولد فكرة المجتمع الدولي فجأة، بل ولدت نتيجة لمخاض طويل ومسار شاق من التشكل، وكان الهدف من تأسيسه تصوّر اتحاد كونيّ للوحدة والتعاون الدولي عبر آليا الدفاع عن (التنمية وحقوق الإنسان والأمن الجماعي)، لكن تحويل هذا المقصد من الإطار المثالي والأخلاقيّ إلى مجتمع فعلي وحقيقي يقتضي توسيع المشاركة لتشمل كلّ فواعل المسرح الدولي، الراغبين في تعزيز التضامن الدولي دولا ومنظمات حكومية وغير حكومية وحركات تحرر وجمعيات وأفراد.. للحد من الهيمنة التي تفرضها الدول الأكثر قوة على العالم، والمسيطرة على أدوات المنتظم الدولي باسم الجماعة الدولية، في حين أنّها تعكس في الواقع، إرادة القوى العظمى.

***********************

*ــ مراجع المحاضرة للاطلاع:

1ــ يحي الجمل، تطوّر المجتمع الدولي (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، العدد: 122، 1964).

2ــ ديفيد بوسكو، خمسة يحكمون الجميع: مجلس الأمن ونشأة النظام العالمي الحديث (ترجمة: غادة طنطاوي) (القاهرة: منشورات المركز القومي للترجمة، العدد: 2126، 2010).

1– Ursulla Vollerthum, The Idea of International Society: Erasmus, Vitoria, Gentili and Grotius (New York and London: Combridge University Press, 2017).

2– Erika Cudworth, Stephen Hobden, Posthuman Dialogue in International Relations (New York: Routledge Edn., 2018).

3ــ Tonny Brems Knudsen, Cornelia Navari, International Organization in The Anarchical Society (UK- Aarthus: Palgrave Macmillan, Springer Publs., 2019).

 

  **************************

المحاضرة الثالثة:                                                                  الثلاثاء: 14/10/2025

 

نظرية الدولة وتشكّل الاسرة الدوليّة:

State Theory and the Formation of the International Family:

من الحقّ الإلهي والتفويض، إلى العقد الاجتماعي

From Divine Right and Mandate to the Social Contract

*ــ مقدمة.

*1ــ نظرية الدولة: التطور التاريخي لنظرية العقد الاجتماعي (لوك وروسو)

*2ــ أركان الدولة (الإقليم – الشعب – السلطة): مقاربة قانونية.

*3ــ السيادة واستقلالية الدولة: مقاربة المدرستين المثالية والانجليزية.

*4ــ الشخصية القانونية للدولة: منظور المدرسة الواقعية (هوبز – ميكايفيلي – سبيكمان)

*5ــ الانضمام للأسرة الدولية: المدرسة البنائية - البنيوية

*6ــ منظور المدرسة الوظيفية للعلاقات الدولية: نظرية التكامل والاندماج.

*ــ الخاتمة.

*****************************************

*ــ مقدمة.

    تعتبر "الدولة" الوحدة الأساسية لتشكيل المجتمع الدولي، وهي ظاهرة قانونية تتكون من عناصر محددة هي (الإقليم – الشعب – السلطة – السيادة)، وهي تعتبر الفاعل المركزي وصاحب الشخصية القانونية الأصلية والأقدم التي تأسس عليها المجتمع الدولي المعاصر في النظام الدولي الحديث، كما أنّ الدولة هي الفاعل الأساسيّ المخوّل بكلّ استقلالية وسياديّة للتعبير عن مصالحها، على اعتبار أنّها فاعل قانوني غير مشتق أو تابع لغيره من الكيانات المساوية له أو الكيانات المستحدثة كالمنظمات الدولية التي تأسست من خلال تأسيس شخصية قانونية مشتقة من الجماعة الدولية. وعليه، تعتبر الدولة فاعلا أسمى ولا تحتاج اعترافا أعلى منها للاعتراف بشخصيتها القانونية كبقية الكيانات القانونية الأخرى (المنظمات أو الشركات أو حركات التحرّر الوطني أو الأفراد).

    فكيف تأسست الدولة وأركانها نظريا ودستوريا وصولا إلى الشكل المعاصر الذي هي عليه اليوم؟، وهل هي ظاهرة دائمة وصاحبه شخصية قانونية مستمرة؟، وما هي ضمانات استقرارها في سياق أطر ومقاربات المنتظم الدولي للحفاظ على السلم والأمن الدوليين؟.

*1ــ نظرية الدولة: التطور التاريخي لنظرية العقد الاجتماعي (لوك وروسو)

    تأسست فكرة (الدولة) في الفلسفة اليونانية كما هو موثق في كتاب الجمهورية Politeia لأفلاطون Plato (427–347 ق.م)، وكتاب السياسة Politika لأرسطو Aristote (384–322 ق.م)، ففي الوقت الذي يميل فيه أفلاطون إلى اشتراط أن يكون الحاكم فيلسوفا متنورا، حتى يضمن الناس تشكيل سلطة مثلى للحكم المدني. يركز أرسطو على سمو الدولة على مفاهيم العائلة أو القرية والمدينة، لضمان تأسيس أنظمة حكم شرعية بعيدا عن الطغيان والديماغوجيا والأوليغارشيا. لكن يتفق كلاهما على أنّ مفهوم الدولة قائم على فكرة الخير والصالح العام. ومع بلوغ العصور الوسطى، شهدت أوروبا صراعا بين السلطتين الزمانية والمكانية لحكم الكنيسة (الإكليورس/ رجال الدين) مع الحكام المدنيين، ونتيجة لمقاومة رواد عصر الأنوار عصر الظلام الذي أنتج حروبا دينية طاحنة، بدأ الحداثيون في القرنين 16 و 17م أمثال الإنجليزي توماس هوبز Thomas Hobbes (1588 – 1679) والإيطالي نيكولاس ميكيافيلي Niccolò Machiavelli (1469 – 1527)، يدافعان فن دور القوة والمصلحة في حفظ النظام وتماسك الدولة والخلاص من الحكم الكنسيّ. ثم جاء الفيلسوفان الفرنسيّان مونتسكيو Montesquieu (1689 – 1755) وجون جاك روسو Jean-Jacques Rousseau (1712 – 1778)، ليطورا فكرة الدولة من خلال مفهومي الفصل بين السلطات والعقد الاجتماعي، اللذين ظهرا في كتاب مونتسكيو بعنوان "روح الشرائع De L' Esprit des Lois" عام 1748، وكتاب روسو بعنوان: (Du Contrat Social) عام 1762. وفي الكتاب الهام لجون جاك روسو (الأب الروحي للثورة الفرنسية)، دافع هذا الفيلسوف الفذّ عن فكرتي (السيادة للشعب، واعتبار الإرادة العامة أساس الشرعية السياسية). شكّل اعتبار الشعب مصدرا للسيادة أساس الثورة الفرنسية عام 1789 حدا للحكم المطلق الذي فرضته الملكية الفاسدة، بعد الانتهاء من تفنيد نظريات الحكم الديني التي أطّرت مفهوم الدولة لعدة قرون خلت.

*2ــ أركان الدولة (الإقليم – الشعب – السلطة): مقاربة قانونية.

    مع بلوغ العصر الحديث (القرنين 19 و 20م) ، ظهرت تيارات أيديولوجية تنظّر حول مسألة احتكار السلطة للعنف الشرعيّ، أمثال الألماني فريديرك هيغل (1770 – 1831) F. Hegel، الذي رفض فكرة العقد الاجتماعي التي تحدث عنها روسو، واعتبر الدولة كيانا تاريخيا يعبّر عن روح الشعب. كما انتقد المفكر الألماني كارل ماركس (1818 – 1883) Karl Marx استخدام الطبقة البرجوازية كطبقة حاكمة على رأس هرم الدولة، تتولى حماية مصالحها وأعمالها عبر نظام استعباد عمالي غير عادل، مما يجعل الدولة غير محايدة، ومعرضة إلى ثورة بسبب المصير الحتمي للسلطة البرجوازية العرضة للاضمحلال. إضافة إلى رأي الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891 – 1937) Antonio Gramsci الذي نادى إلى استخدام الحكام المسيطرين على السلطة لأداة الهيمنة الثقافية كبديل عن أجهزة القمع الحكومية، لجعل أفكار الطبقة الحاكمة مقبولة لا مفروضة.

    ونتيجة إلى اشتداد الصراع حول شرح ماهية الدولة وتحديد عناصرها القانونية بدقة، افتق الفقهاء على أنّ الدولة كائن قانوني له شخصية مستقلة، وتتشكل من العناصر التالية:

  ــ الإقليم The Territory: وهو المجال الجغرافي الذي تمارس عليه سلطة الدولة سيادتها (أرضا/أجواء/ مياه إقليمية)، وله حدود واضحة كما يحددها القانون الدولي المعتمد منذ مؤتمر ويستفاليا 1648م.

  ــ الشعب The People: هو جماعة مستقرة في الإقليم، تخضع إلى ناظم الدولة، وهو المصدر الأساسيّ للشرعية يتشكل من المواطنين (لا الرعايا)، وجمهور المهنين والناخبين القانونيين.

  ــ السلطة Authority/Power: وهي السيطرة الاحتكارية التي يمارس من خلالها الحكام نظام مراقبته على المحكومين، انطلاقا من الشرعية السياسية التي يحوزونها باسم المشروعية الدستورية. وهي عقد بين الحاكم والمحكوم يتنازل فيه المحكومون عن حقوقهم للحاكم شرط ضمان السلطة لواجباتها تجاه المحكومين في الجهة المقابلة. ويتوقع أن تسعى كل وحدة سياسية من المجتمع الدولي إلى ممارسة سلطتها بكل مشروعية Legitimacy وسياديّة Sovereignty مع نيل الضمانات القانونية القصوى لضمان عدم التدخل الخارجي/الأجنبي في الشؤون الداخلية للدولة، مهما بلغت الضغوطات في حالة السلم أو الحرب.

*3ــ السيادة واستقلالية الدولة: مقاربة المدرستين المثالية والانجليزية.

    كتب الفقيه الفرنسيّ جون بودان -(1530 – 1596) Jean Bodin- عام 1576 "الكتب السنة في الجمهورية"، ووصف مقتضيات ضمان سيادة الدولة، وهي أنّ السيادة (مطلقة، وغير قابلة للتجزئة، وتكون حصرا بيد السلطة العليا للدولة، ولا تعلو عليها سلطة أعلى)، ومن تمثلاتها أنها:

  ــ موحدة Unified: هناك نقطة مركزية واحدة لقرار الدولة.

  ــ دائمة Perpetual: لا تزول بتغير الأشخاص، وتبقى ما بقيت الدولة.

  ــ غير قابلة للفصل والتجزئة Indivisible: لا يمكن توزيع سلطتها على مراكز أخرى متعددة.

  ــ   مطلقة Absolute: لا يحدّها قانون لأنّ (الحاكم هو صاحب السلطة والسيادة والمشروعية. رغم أنّ جون بودان قد قيّد الحاكم بتفاصيل الحكم الإلهي والأعراف الخاصة التي لا يمكن إلغاؤها أو تكييفها، فهو مصرّ على تركيز السلطة بيده.

*4ــ الشخصية القانونية للدولة: منظور المدرسة الواقعية (هوبز – ميكايفيلي – سبيكمان)

    تعتبر الدولة شخصا قانونيا Legal Person / Personne Juridique، وشخص الدولة معنوي، لذلك تبقى الدولة حتى لو تغيّر حكامها، وللدولة شخصية أصلية Primary Subject لأنّها غير مشتقة من غيرها، ولا يعلو عليه فاعل أعلى، بل يشتق منها فواعل أقل من المنظمات أو الأفراد. لذلك، تحتكر الدولة الوظائف التالية:

  ــ اكتساب الحقوق (كعقد المعاهدات/ وتسيير الملكيات وتوثيق العقود).

  ــ تحمل الالتزامات (المسؤولية الدولية/ الديون العمومية/ الإنفاق والرعاية).

  ــ هي من يسير هيئات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية.

    يعتبر توماس هوبز أنّ الشخصية القانونية للدولة غير مالية أو روحية بل نابعة من القوة والسيادة المطلقة، وأنّ الدواة تحتكر القوة بناء على العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكومين، والذي يسلّم الأفراد بموجبه عن حقوقهم مقابل الأمن. أما ميكيافيلي فقد كان ينظر للدولة بوصفها أداة سياسية بحتة تمارس فن الحكم عبر الواقعية البراغماتية، التي تشكّل ضمانتها للبقاء والسيطرة على استقرار الدولة. وإذا كان منظور هوبز وميكيافيلي منذ عصر الأنوار، فإنّ أحد رواد المدرسة الواقعية نيكولاس سبيكمان (1893-1943) Nicholas Spykman يرى أن الاعتراف القانوني بقوة الدولي ينبع من تمركزها الاستراتيجي الجغرافي لضمان مصالح الدولة داخل النظام الدولي، وهي الضمان الوحيد لاكتساب القوة والمصلحة. وإلاّ كان ضعف الدولة مبررا لتعريضها إلى تدخلات أجنبية أو محاولات غزو لنهب مواردها أو تجريدها من مقومات قوتها ومحددات بناء وزنها وثقلها السياسي والدبلوماسي على الصعد المؤسسية المختلفة.      

*5ــ الانضمام للأسرة الدولية: المدرسة البنائية – البنيوية

    تعتبر الدولة أول وأقدم فاعل قانوني مؤسس للمجتمع الدولي، وهي المصدر الأساسي للالتزامات قبل ظهور المنظمات الدولية وحركات التحرر الوطنية والشركات متعددة الجنسيات والأفراد. ولأنها صاحبة شخصية معنوية أصلية فهي تنطلق من أطر القرب الجغرافي والجوار والصداقة والتعاون والحوار والشراكة والاتحاد، لرفع مستوى الاعتماد المتبادل بين مختلف مكونات المجتمع الدولي بشكل مباشر فيما بينها، أو من داخل المنظمات والمؤسسات المشتقة من الجماعات والتكتلات الدولية المختلفة أو الأحلاف والمؤسسات أو المنتديات الدولية الهامة الأخرى مثل منتدى دافوس الاقتصادي، أو مؤتمر ميونيخ للأمن، أو منتدى فالداي الروسي، أو محموعة بوبيلا لدول أمريكا اللاتينية.

    يشكّل الاعتراف بالدول كعضو في الأسرة الدولية نقطة خلافية بين من يركز على الهوية والقيم أو موقع الدولة داخل الهيكل الكلاني للنظام. فبالنسبة للمدرسة البنائية Structuralism يرى روادها ومنظروها أنّ ترتيب القوى بشكل هرمي هيراركي سببه هيمنة القوى الكبرى الذي يجبر تموقع القوى الهامشية في مصاف القوى التابعة. فحتى لو انضمت الدول المستقلة حديثا للنظام الدولي ستظل رهينة التبعية الاقتصادية والمالية. أما منظور المدرسة البنيوية Constructivism فهي تركز على التفاعل والاعتراف المتبادل والتعاون الستمر والحقيقي بين الدول، هو المعيار الأهم للاعتراف بالبناء التدريجي للهوية الدولية التي تشترك فعليا في شبكات النظام الدولي.

*6ــ منظور المدرسة الوظيفية للعلاقات الدولية: نظرية التكامل والاندماج.

    هنالك قاعدة ذهبية في العلاقات الدولية (تحقق الدول وهي مجتمعة ما تعجز عن تحقيقه وهي منفردة، وأيّ تكتل من الدول يقل عن نصف مليار نسمة سيواجه منافسة شديدة سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا). ومن هنا فإنّ قدرة الدول على تطبيق سياسات القرب Proximity والجوارية Neighbourhood التي تعزز اتفاقات الشراكة Partnership والتعاون Cooperation، تقتضي الاعتماد على مختلف الأطر القانونية الممكنة (ثنائيةDyadic Bilateral، ثلاثية Trilateral، متعددة الأطراف Multilateral) أو عقد تحالف Alliance معين في المجال الدفاعي أو الأمني لمواجهة مختلف التحديات.

    تؤكد نظرية الاعتماد المتبادل لروبرت كوهين Robert Keohane أن العلاقات الدولية ليست صراعا على القوة والمصلحة فقط كما تنص المدرسة الواقعية، بل أصبحت شبكة من الترابطات الاقتصادية والسياسية والأمنية، على أن يكون هذا التعاون قائما على تراجع دور القوة العسكرية كوسيلة حاسمة وتعويضها بالاعتماد الاقتصادي المتبادل (حالة اللاكتفاء الذاتي)، تجعل الدول مجبرة على التعاون حتى وسط التنافس الكبير الذي تفرضه أليات السوق الحرة. وهذا ما يعني أنّ قضايا الدفاع والأمن لم تعد على رأس الأولويات التراتبية الصارمة، بل أصبح التعاون الاقتصادي والتجاري وفي مجال الاستثمار، أكثر أهمية.

*ــ الخاتمة.

    أدى تطور التعاون الدولي إلى ناجح التجربة الأوروبية في تحقيق الاستغلال الأمثل لقيم الجوار وسياسة القرب والتعاون والشراكة والاتحاد والتكامل والاندماج، ومن بين أهم النظريات التي تسببت في نجاح التجربة الأوروبية في قطع أشواط بارزة على الصعيد الإقليمي: (مبدأ التفويض، استقلالية القرار، المؤسسية الصارمة، الفصل بين السلطات، تطبيق نظرية الكوميتولوجي Comitology)) وهو ما يؤكد أنّ الجماعة الأوروبية لا تزال تسعى لتحقيق حلم تأسيس دولة موحدة على النهج الفيدرالي الأمريكي أو الروسي لتحقيق توازن قوى منطقي، في ظلّ استمرار ظاهرة ((غيبة الحكومة العالمية)) القادرة على فض النزاعات الدولية المزمنة بطرق سلمية، حماية لسيادة الدولة وأرواح المواطنين المدنيين.

 

***********************

*ــ مراجع المحاضرة للاطلاع:

1ــ يحي الجمل، تطوّر المجتمع الدولي (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، العدد: 122، 1964).

2ــ ديفيد بوسكو، خمسة يحكمون الجميع: مجلس الأمن ونشأة النظام العالمي الحديث (ترجمة: غادة طنطاوي) (القاهرة: منشورات المركز القومي للترجمة، العدد: 2126، 2010).

3ــ جرايمي هيرد، القوى العظمى والاستقرار الاستراتيجي في القرن 21: رؤى متنافسة للنظام الدولي (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2019).

1Julian H. Franklin, John Locke and The Theory of Soverrignty (New York – London - Melborne: Cambridge University Press, 1979).

2Stephen D. Krasner, Problematic Sovereignty: Contested Rules and Political Possibilities (New York: Colombia University Press, 2004).

3ــ Henry R. Nau, Perspectives on International Relations: Powers, Institutions, and Ideas (London: CQ Press, , SAGE Publsn., 6th. Edns., 2019).

 

  **************************

الجزء الثاني للمحاضرات

 

المحاضرة الرابعة:

ماهية المنظمات الدولية: تطوّر الأمميّة ما قبل الميثاق وتجربة عصبة الأمم

المحاضرة الخامسة:

تطوّر المنتظم الدولي: دراسة مؤسسيّة لهيئة الأمم المتحدة أنموذجا

المحاضرة السادسة:

الشخصية القانونية للمنظمات الإقليمية الدولية والأحلاف العسكرية: دراسة مقارنة للمعاهدة المؤسسة

 

 

 

 

 

 

 

 ****************************

 

 

 

المحاضرة الرابعة:                                                     الثلاثاء: 20/10/2025

 

ماهيّة المنظّمات الدوليّة:

Nature of International Organizations:

تطوّر الأمميّة ما قبل الميثاق

Evolution of Internationalism before the Charter

 

*ــ مقدمة.

*1ــ تعريف المنظمة الدوليّة: دراسة إيتميولوجيّة وإجرائيّة.

*2ــ دور المنظمات الدوليّة: المعاهدة التأسيسيّة، الشخصيّة القانونيّة للمنظمة.

*3ــ الانضمام إلى المنظمة الدوليّة: شروط الضمّ، حقوق وواجبات الدول الأعضاء.

*4ــ هياكل المنظمات الدوليّة: الأمانة العامة كجهاز تنفيذيّ، التشريع، وتنظيم مسائل التحكيم.

*5ــ نظام التصويت في المنظمة الدوليّة: اتخاذ القرار وفق آلياتي الإجماع أو الأغلبيّة.

*ــ الخاتمة.

*****************************************

*ــ مقدمة.

    لقد سبق العمل الدبلوماسيّ ظهور المنظمات الدولية بقرنين على الأقل منذ مؤتمر ويستفاليا 1648، كما نظّمت الدول خلال القرنين 17م و18م عدّة لقاءات دوليّة سبقت عقد أوّل مؤتمر هام للسلام الدوليّ عام 1815 (القرن 19م)، مؤتمر فيينا الذي شارك فيه 94 رئيس دولة وتمّ فيه إنشاء لجنة الملاحة في نهر الراين، وهو ما اعتبره المؤرخون أول منظمة دولية في التاريخ. وتلا هذا اللقاء عقد مؤتمر لاهاي للسلام الدولي سنتي 1899، وعام 1907 مع بداية القرن 20م، حيث بدأت دول العالم تفكّر في التفاوض حول تطوير التعاون الدولي ليشمل مسائل منع الحروب والنزاعات الدولية، والتخفيف من آثارها عبر وسائل التحكيم والتسوية السلمية للنزاعات، وفضّ التوترات المزمنة بين الدول المتجاورة والمجموعات الإقليمية المختلفة.

    تعتبر "المنظمة الدولية" فواعل أساسية في العلاقات الدولية، تدرّج دورها من اعتبارها (فواعل ثانوية) إلى اعتبارها لاعبا رئيسيا في المسرح الدولي، يتيح للدول الأعضاء استخدامها كمنبر دوليّ للتعريف بالقضايا، وكمحفل مؤسسيّ للتفاعل الدوليّ. يتعرّض دور المنظمات الدولية إلى الاختبار بخصوص طابع إطارها التعدّديّ، حيث تنشأ باتفاقية أو معاهدة تأسيسيّة، وتضم في عضويتها أعضاء وفق شروط محددة، كالقرب الجغرافيّ، أو التعاون الدوليّ حول قضية من القضايا كالأمن أو قضايا التنمية أو الشؤون الثقافية والرياضية والصحية، حسب اختصاصها. لهذه المنظمات شخصية قانونية معنوية، وغالبا ما يؤسس نشاطها لنمط من أنماط التعاون الدولي، كما يضفي عملها على العلاقات بين الدول "طابعا مؤسسيّا"، يعكس مستويات الشبكية الدولية متعدّدة الأطراف، حيث أصبح عدد المنظمات الدولية الإقليمية يفوق عدد المنظمات الدولية أو العالمية. كما يخضع بناؤها المؤسسي إلى نماذج متعددة من التعاون حسب مستويات التفويض (فوق الوطني)، وحسب آليات اتخاذ القرار (بالأغلبية أو بالإجماع).

   وبناء على ما تقدم، تنطلق هذه المحاضرة من طرح الإشكالية التالية:

كيف يمكننا تفسير ظهور المنظمات الدولية والإقليمية وانتشارها؟، وكيف تتكيف المنظمات الدولية مع التغيرات في النظام الدولي؟، ما هي وظائف المنظمات الدولية؟، وما هي قوة المنظمة الدولية؟، وكيف تبني شرعية سياساتها؟، ما هي مساهمة المنظمات الدولية في القضايا الرئيسية للعلاقات الدولية (السلم والأمن، وحقوق الإنسان، والعولمة، والبيئة)؟، وهل يمكن إغلاق المنظمة الدولية أو إصلاحها عند وقوع خلل ضمن آليات عملها؟.

*1ــ تعريف المنظمة الدولية: دراسة ايتيمولوجية وإجرائية:

    تأسست المنظمات الدولية الأولى بعد عام 1648 لحسم مشكلة الحروب الدينية خلال النصف الأول من القرن 17م، ثم تحوّل تأسيسها إلى المجال الاقتصاديّ والتجاريّ مع ظهور الحركات الاستعمارية وصدام الإمبراطوريات، وتطوّر النقاش الدوليّ حولها مع ظهور مفهوم التنظيم داخل المجتمعات الصناعية (علاقات المنتجين والمستهلكين خلال تأسيس نظريّات الاقتصاد السياسيّ ضمن المدارس الفيزيوقراطيّة الفرنسيّة والمركانتينيّة الإيطاليّة، والمدرسة الإسبانيّة لخلق الثروة)، والتي تعنى بتنظيم زيادات تدفقات (السلعة والخدمات ورأس المال والاستثمار) وهي ظواهر زادت الروابط عبر الحدود بين الدول. ومع ذلك، تعدّ كلّ التصورات السابقة لبنات أولى لظاهرة "المنظمة الدولية" التي بدأت بالاتحادات الإدارية والنقابات الدولية، مما يضفي أهمية كبرى على دراسة تاريخ المنظمات الدولية وكرونولوجيا مسيرة العمل الأمميّ انطلاقا من ظهور التنظيم الإداريّ على المستوى التجاري الدولي، سعيا لتجنّب النزاعات وانتشار الفوضى، وفق تصوّرات حلّ معضلة "غيبة الحكومة العالمية". كما أصبح التعاون الدولي جزء من مفردات التفاعل الإنسانيّ لإثبات الطابع التعدّدي الجامع للفواعل الدولية، دون إقصاء أو استبعاد لأيّ طرف دوليّ ملتزم بمضامين الاتفاقيات والمعاهدات المبرمة.

     يحيلنا البحث اللغوي (الإيتيمولوجي) إلى مصطلحي "التنظيم" و"الدولة"، وهما مصطلحان متراكبين وغير متضاربين، ويقصد بهما لغويا، ميل الدول إلى تنظيم علاقات الوحدات السياسية للنظام الدولي أو الإقليميّ، ضمن عمل دبلوماسيّ منسّق، ينظم مسائل الأمن الجماعي أو تنافسات الهيمنة أو مبادرات العمل المشتركة. وهو ما يعني وجود روابط قانونية للفواعل الدولية الرئيسية وحتى الثانوية المؤثرة في الساحة الدولية.

     ظهر مصطلح المنظمة الدولية International Organization أول مرة كمصطلح سنة 1780 في كتابات الفيلسوف البريطاني جيريمي بنثام (Jeremy Bentham) الذي استخدم تعبير international law بدلًا من law of nations، ويدل على العلاقات العابرة بين الدول المستقلة، أي ما يتجاوز الحدود الوطنية. وفي اللغة الإنجليزية تطورت الكلمة لتدل على هيئة مكوَّنة من أشخاص يعملون معًا لتحقيق غاية مشتركة (Oxford Dictionary). وفي قاموس كامبريدج Cambridge Dictionary يعني مصطلح International Organization: (هيئة منظَّمة تضم دولًا أو كيانات تعمل معًا لتحقيق هدف مشترك يتجاوز الحدود الوطنية).

     تؤسّس الدول المنظمات الدولية لتصحيح عيوب المجتمع الدوليّ، من خلال وضع آليات تنظيمية مؤسسية، ويمكن تعريف المنظمة الدولية قانونيا بأنّها: "رابطة بين الدول، تنشأ بالاتفاق بين أعضائها وتمنح جهازا دائما من الأجهزة المسؤولة عن السعي إلى تحقيق الأهداف ذات الاهتمام المشترك من خلال التعاون فيما بينها". ويمكن تلخيص الظاهرة بأنّ المنظمة الدولية: "هي هيئة دائمة تنشأ بموجب اتفاق دولي بين دولتين أو أكثر، لتحقيق أهداف مشتركة". ومن نماذجها المنظمات الحكومية الدولية (IGO) مثل الأمم المتحدة، أو المنظمات غير الحكومية (NGO) مثل الصليب الأحمر، منظمة العفو الدولية.

*2ــ دور المنظمات الدولية: المعاهدة التأسيسية، الشخصية القانونية للمنظمة.

     يطرح دور المنظمة الدولية سؤال اعتبارها فاعلا مستقلا أم أنّها مجرد أداة بيد الدول الأعضاء، وهناك ثلاثة رؤى بارزة للإجابة على هذا السؤال: (المدرسة الواقعية التي ترى المنظمة مجرد أداة لخدمة مصالح الدول الكبرى، المدرسة الليبرالية والمؤسساتية التي تعتبر المنظمة الدولية فاعلاً مستقلاً يسهم في تنظيم العلاقات الدولية، والمدرسة البنائية التي ترى أن المنظمة تُنتج هويات ومعايير جديدة تؤثر في سلوك الدول).

   يمكن اعتبار المعاهدة التأسيسية الأساس المنشئ للشخصية القانونية، وبدونها لا يمكن أن توجد المنظمة كفاعل مستقل في النظام الدولي، لذلك تعتبر الشخصية القانونية النتيجة المباشرة للاتفاق التأسيسي. وتعتبر المعاهدة التأسيسية (Constitutive Treaty) "دستور المنظمة" أو "ميثاقها الأساسي"، وتتضمن هوية المنظمة واختصاصها وشروط العضوية والانسحاب من المنظمة. ومن خصائص المعاهدة التأسيسية أنّها: (تُبرَم بين دول ذات سيادة، وتخضع لقواعد اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969)، وتُنشئ شخصية قانونية جديدة مستقلة عن الدول الأعضاء، ويمكن تعديلها وفقًا للإجراءات المحددة داخلها).

    أما الشخصية القانونية للمنظمة الدولية (Legal Personality)، فتعني أن تكون المنظمة كيانًا مستقلاً يتمتع بقدرة قانونية على: (التعاقد، وامتلاك الممتلكات، التقاضي أمام المحاكم، إبرام اتفاقات دولية، والتمتع بالحصانات والامتيازات). ومن آثار الشخصية القانونية للمنظمة الدولية، استقلال المنظمة عن الدول الأعضاء، حقها في اللجوء إلى القضاء الدولي، وتمتعها بالحصانة من الولاية القضائية الوطنية.

*3ــ الانضمام إلى المنظمة الدولية: شروط الضمّ، حقوق وواجبات الدول الأعضاء.

    يعتبر الانضمام إلى المنظمة الدولية الفعل القانوني الذي تصبح بموجبه الدولة طرفًا في المعاهدة التأسيسية، وعضوًا في المنظمة بما يترتب على ذلك من حقوق والتزامات. فالمنظمة لا تفتح أبوابها للجميع تلقائيًا، بل تحدد معاهدتها التأسيسية شروط العضوية وإجراءات القبول، تعبيرًا عن إرادة الدول المؤسسة في ضبط تركيبتها ووظائفه.

    تختلف الشروط من منظمة إلى أخرى، لكنها غالبًا تنقسم إلى شروط موضوعية وشروط إجرائية،  (أن تكون دولة ذات سيادة معترف بها دوليًا، أن تقبل أحكام المعاهدة التأسيسية للمنظمة دون تحفظات جوهرية، أن تلتزم بأهداف ومبادئ المنظمة (مثل احترام السلم، وحقوق الإنسان، والتعاون الدولي)، وفي بعض الحالات، يُشترط الانتماء الجغرافي أو الثقافي، كما في: الاتحاد الإفريقي (الانتماء إلى القارة الإفريقية)، جامعة الدول العربية (اللغة والثقافة العربية)، مجلس التعاون الخليجي (تشابه الأنظمة السياسية الملكية).

        أما الشروط الإجرائية، فتتم رسميا من خلال تقديم طلب رسمي بالانضمام إلى الأمين العام للمنظمة، فحص الطلب من قبل الأجهزة المختصة (مثل الأمانة العامة أو المجلس التنفيذي)،  الحصول على موافقة أغلبية معينة من الدول الأعضاء، أو من هيئة محددة (مثلاً: الجمعية العامة للأمم المتحدة بناءً على توصية مجلس الأمن)،  إيداع وثيقة الانضمام (Instrument of Accession) لدى الجهة المحددة في المعاهدة التأسيسية.

    ويترتب عن الانضمام للمنظمة الدولية، حقوق الدول الأعضاء مجرد قبول الدولة عضوًا في المنظمة، من أبرزها: (الحق في المشاركة في الأجهزة والأنشطة، المشاركة في أعمال الجمعية العامة والمجالس، الحق في التصويت (غالبًا بصوت واحد لكل دولة)، الحق في الترشيح والتمثيل في مختلف الأجهزة، الحق في الحماية أو المساعدة الدولية)، الحق في الانسحاب من المنظمة ومغادرتها في حال عدم انسجام التزامات الدولة مع المنظمة.

    ومن واجبات الدول الأعضاء، مجموعة من الالتزامات القانونية والسياسية، أهمها: (احترام المعاهدة التأسيسية، الالتزام التام بنصوص الميثاق وأهداف المنظمة، تنفيذ قرارات الأجهزة المختصة، المساهمة في ميزانية المنظمة، دعم أعمال المنظمة وعدم عرقلة أنشطتها، تسوية النزاعات بالوسائل السلمية وعدم اللجوء إلى القوة، الدفاع المشترك عن مصالح المنظمة وسمعتها في المحافل الدولية).

    وقد تفقد الدولة العضوية أو تُعلّق حقوقها إذا انتهكت مبادئ المنظمة بشكل جسيم (مثل ارتكاب عدوان أو خرق ميثاق حقوق الإنسان)، أو امتنعت عن تسديد مساهماتها المالية لمدة طويلة أو انسحبت طوعًا وفق شروط الميثاق. ومن الأمثلة: (تعليق عضوية جنوب إفريقيا في الأمم المتحدة خلال نظام الفصل العنصري، تجميد عضوية روسيا في مجلس أوروبا سنة 2022 بعد غزو أوكرانيا).

*4ــ هياكل المنظمات الدولية: الأمانة العامة كجهاز تنفيذي، التشريع، وتنظيم مسائل التحكيم.

    تشكل معظم المنظمات الدولية من مجموعة من الأجهزة الدائمالتنفيذية والتشريعية والقضائية للمنظمة، ويحددها الميثاق التأسيسي بدقة. ورغم اختلاف الهياكل من منظمة إلى أخرى، إلا أن معظمها يقوم على ثلاثة مستويات مؤسساتية رئيسية: (جهاز تشريعيDeliberative / Legislative Organ)/ جهاز تنفيذي أو إداري (Executive / Administrative Organ)/ جهاز قضائي أو تحكيمي (Judicial / Arbitral Organ).

    أولاً: الجهاز التنفيذي — الأمانة العامة (The Secretariat): وهي الهيئة الإدارية والتنفيذية للمنظمة، المسؤولة عن تنفيذ القرارات الصادرة عن الأجهزة الأخرى، وضمان سير العمل اليومي للمنظمة، وتشبه إلى حد بعيد السلطة التنفيذية في الدولة، ومن مهامها: (تنفيذ قرارات الأجهزة السياسية والتشريعية، إعداد التقارير والدراسات الفنية، تمثيل المنظمة أمام الدول والمنظمات الأخرى، اقتراح مشاريع قرارات أو إصلاحات إدارية، تنظيم المؤتمرات والاجتماعات الدورية).

    تتكوّن الأمانة العامة من أمين عام وعدد من الموظفين الدوليين. يعيّن الأمين العام وفقاً لإجراءات محددة في الميثاق (مثلاً، الأمين العام للأمم المتحدة يُعيَّن بترشيح من مجلس الأمن وموافقة الجمعية العامة). يتمتع الأمين العام بصفة موظف دولي مستقل، لا يخضع لتعليمات أي دولة عضو، ويمثل المنظمة ككل، لا مصالح دولة بعينها.

    ثانيا: الجهاز التشريعي التداولي (Deliberative / Legislative Organ): وهي الهيئة العليا التي تجتمع فيها الدول الأعضاء لمناقشة السياسات العامة واتخاذ القرارات، ويُعتبر بمثابة “البرلمان الدولي” للمنظمة. ويضم جميع الدول الأعضاء غالبًا (مثلاً الجمعية العامة للأمم المتحدة أو المجلس الوزاري في الاتحاد الإفريقي). وتُمارس فيه كل دولة مبدأ المساواة في التصويت (صوت واحد لكل دولة)، باستثناء بعض المنظمات التي تعتمد نظامًا مرجّحًا كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظمة العالمية للتجارة. ومن الوظائف الأساسية لبرلمان المنظمة: (إقرار السياسات العامة وبرامج العمل، اعتماد الميزانية السنوية، قبول أعضاء جدد أو تعليق عضوية دول أخرى، مناقشة التقارير الصادرة عن الأجهزة الأخرى، إصدار توصيات أو قرارات، قد تكون ملزمة أو غير ملزمة بحسب طبيعة المنظمة).

    ثالثا: الجهاز القضائي التحكيمي (Judicial / Arbitral Organ): تبرز أهمية التحيكم في أنّه يُرسّخ مبدأ سيادة القانون داخل المنظمة.، ويمنع النزاعات السياسية من التحول إلى أزمات مفتوحة، ويعزز الثقة في مؤسسات المنظمة واستقرارها. لذلك، يتخصص الجهاز التحيكم القضائي في المنظمة في تسوية المنازعات القانونية بين الدول الأعضاء، أو بين المنظمة وأطراف أخرى، وفقاً للقانون الدولي وأحكام المعاهدة التأسيسية. ويُعتبر الأداة التي تضمن احترام الشرعية الدولية داخل المنظمة. ومن أنواعها: (محكمة دولية دائمة كمحكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة، هيئات تحكيم خاصة تُنشأ عند الضرورة، كما في منظمة التجارة العالمية (هيئات تسوية المنازعات)، محاكم داخلية إدارية تفصل في منازعات الموظفين الدوليين مع المنظمة (مثل المحكمة الإدارية للأمم المتحدة). ومن أمثلتها: (جهاز تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية (DSB)، محكمة العدل الأوروبية (ECJ) في الاتحاد الأوروبي، محكمة العدل الدولية (ICJ) في الأمم المتحدة).

*5ــ نظام التصويت في المنظمة الدولية: اتخاذ القرار وفق آلياتي الإجماع أو الأغلبية.

    يُعتبر نظام التصويت (Voting System) من الركائز الجوهرية في التنظيم الداخلي للمنظمات الدولية، لأنه يحدد كيفية اتخاذ القرارات ووزن كل دولة في عملية صنع القرار، إذ يجسّد التصويت عمليًا مبدأ المساواة بين الدول من جهة، وضرورة الفاعلية في اتخاذ القرارات من جهة أخرى، ومن خلاله تتحقق الإرادة الجماعية للمنظمة.

    تُحدّد المعاهدة التأسيسية الأسس القانونية لنظام التصويت لكل منظمة القواعد التي تُنظم التصويت داخل أجهزتها، وتختلف أنظمة التصويت بين منظمة وأخرى تبعًا لطبيعتها وأهدافها، وعدد أعضائها، وحجم مصالحهم. وتنص معظم المواثيق على مبدأ المساواة في التصويت (one state – one vote)، غير أن بعض المنظمات تعتمد نظامًا مرجّحًا (weighted voting) كالمنظمات المالية مثل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو المنظمة العالمية للتجارة.

    تعتمد المنظمات الدولية نوعين من التصويت، مبدأ الإجماع (Consensus) ومبدأ الأغلبية (Majority Voting)، يومكن تحديدهما كالآتي:

    أــ الإجماع: يعني أن القرار يُتخذ دون اعتراض رسمي من أي عضو، حتى وإن لم يعلن جميع الأعضاء تأييدهم الصريح له، أي أنه غياب المعارضة وليس بالضرورة وجود تأييد كامل، ويُستخدم عندما يكون الهدف تحقيق وحدة الموقف وتجنّب الانقسام السياسي. ومن مزايا هذا التصويت: (يعكس الإرادة الجماعية ويعزز التماسك الداخلي/ يضمن التزام جميع الأعضاء بالقرار لاحقًا/ يُستخدم خصوصًا في القضايا الحساسة أو الأمنية). لكن من عيوب هذا النظام أنّه (يُبطئ عملية اتخاذ القرار، يمنح كل دولة حقًّا ضمنيًا في التعطيل (veto de facto)، وقد يؤدي إلى قرارات ضعيفة الصياغة أو رمزية فقط). ومن أمثلة هذا التصويت: تصويت مجلس الاتحاد الأوروبي يستخدمه في بعض القضايا الحساسة كالسياسة الخارجية المشتركة. أو تصويت مجلس الأمن الدولي يتطلب توافق الأعضاء الدائمين (بمعنى غياب الفيتو).

    ب ــ الأغلبية: يُقصد به اتخاذ القرار بموافقة عدد معين من الأعضاء، وفق نسبة محددة سلفًا في الميثاق (نصف، ثلثان، أو أغلبية خاصة). ومن أنواع الأغلبية:

    ب ــ 1 ــ الأغلبية البسيطة (Simple Majority): القرار يُعتمد إذا نال أكثر من نصف الأصوات الحاضرة والمصوتة، وتُستخدم في المسائل الإجرائية، مثل التصويت في  الجمعية العامة للأمم المتحدة في القضايا العادية.

    ب ــ 2 ــ الأغلبية المطلقة (Absolute Majority): يتم التصويت بأكثر من نصف عدد الأعضاء الإجمالي، سواء حضروا أم لا.

    ب ــ 3 ــ أغلبية الثلثين (Two-thirds Majority): وهي آلية التصويت المطلوبة في المسائل الهامة مثل تعديل الميثاق أو قبول الأعضاء الجدد، مثل تصويت تعديلات لوائح الأمم المتحدة يشترطها في القرارات الجوهرية للجمعية العامة.

    ب ــ 4 ــ الأغلبية المرجّحة والمشروطة (Weighted Voting): وهي الأصوات التي تُوزّع وفق معيار القوة الاقتصادية أو المالية، مثل التصويت في صندوق النقد الدولي، حيث تمتلك الولايات المتحدة وحدها أكثر من 16% من الأصوات، وهو نظام يتيح سيطرة الدول الكبرى على القرارات المالية.

*ــ الخاتمة.

    تُبرز دراسة ماهية المنظمات الدولية أنّها نتاج تطوّر طويل للفكر الأمميّ منذ مؤتمر فيينا وتجربة عصبة الأمم وصولاً إلى ميثاق الأمم المتحدة، حيث أصبحت تمثل الإطار المؤسسيّ المنظم للتفاعل بين الدول، وضمانًا لتسوية النزاعات وتنسيق السياسات الدولية في ظل غياب سلطة فوق وطنية. فالمنظمة الدولية كيان قانونيّ مستقلّ ينشأ بمعاهدة تأسيسية تحدّد أهدافه، وهيكله، وشروط عضويته، وتمنحه شخصية قانونية تخوّله إبرام الاتفاقات والتمتع بالحصانات. وتقوم فاعليتها على توازن دقيق بين إرادة الدول واستقلالية مؤسساتها، ويتجلى ذلك في آليات صنع القرار سواء بالإجماع لتحقيق التوافق السياسي، أو بالأغلبية لضمان الفاعلية التنظيمية. كما أنّ تعدّد هياكلها — من الأمانة العامة كجهاز تنفيذي، إلى الجهاز التشريعي التحكيمي — يعكس تطور النظام الدولي من مجرد علاقات دبلوماسية ثنائية إلى شبكات مؤسساتية متعددة المستويات، تعمل على تحويل "التعاون الدولي" من مبدأ نظري إلى ممارسة عملية تكرّس روح الجماعة الدولية، وتجعل من المنظمة الدولية اليوم أحد أهم تجليات الحوكمة العالمية الحديثة.

***********************

*ــ مراجع المحاضرة للاطلاع:

1ــ حسن العطار، المنظمات الدولية (بغداد: منشورات شفيق، 1970).

2ــ علي يوسف الشكري، المنظمات الدولية (بيروت: مكتبة دار السلام القانوني، ط. 09، 2018).

3ــ جعفر عبد السلام، المنظمات الدولية: دراسة فقهية وتأصيلية للنظرية العامة للتنظيم الدولي (القاهرة: منشورات دار النهضة العربية، د. ت).

1Ian Hurd, International Organizations: Politics, Law, Practice (New York – London: Cambridge University Press, 2nd Edns.1979).

2– Tamar Gutner, International Organizations in World Politics (New York – London: American University, SAGE Publs. 2017).

3ــ Guillaume Devin, Les organisations internationales: Entre intégration et différenciation Broché (Paris: Armand Colin., 3eme. Edns.,

 

************************

المحاضرة الخامسة:                                            الثلاثاء: 28/10/2025

 

تطوّر المنتظم الدولي:

The Evolution of the International Community:

دراسة مؤسسيّة لهيئة الأمم المتحدة أنموذجا

Institutional Study of the United Nations as a Model

*ــ مقدمة.

*1ــ التحول من نظام ويستفاليا 1648 إلى عصبة الأمم 1914.

*2ــ عصبة الأمم: أهدافها، بنيتها، أسباب فشلها.

*3ــ تأسيس هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.

*4ــ مقارنة عصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة.

*5ــ أهمية هيئة الأمم المتحدة وأدوارها.

*6ــ المؤسسات المتخصصة في هيئة الأمم المتحدة.

*ــ الخاتمة.

*****************************************

*ــ مقدمة.

    يعني المنتظم الدولي البنى الكبرى المنظمة للعلاقات الدولية، والإطار الذي تنتظم داخله التفاعلات السياسية والاقتصادية والقانونية بين الفاعلين في الساحة العالمية، ويحدّد الطريقة التي تدار بها العلاقات بين الدول وفق مجموعة من القواعد والمؤسسات والقيم التي نظّم سلوك الدول وتحدّد النظام العالميّ، أي أنّه ليس تجمعا للدول، بل بنية سياسية مانعة للفوضى.

    يعني النظام الدولي  The Intenational Systemشبكة العلاقات الواقعية بين الدول، من توازنات وصراعات وتحالفات، أما المنتظم الدولي The International Order فيعني النظام والقواعد والمؤسسات التي تضبط سلوك الدول، أما المجتمع الدوليThe International Community فهو الجانب القيمي والأخلاقي الذي يجع الدول في إطار إنسانيّ مشترك.

    لقد علمنا التاريخ بعد مؤتمر ويستفاليا 1648 أنّه بعد كل حرب كبرى، يولد نظام دولي جديد يعيد صياغة العلاقات الدولية في إطار مؤسساتي، إذ أدركت الإنسانية أنّ القوة وحدها لا تصنع السلم، وأنّ غياب التعاون الدولي يُفضي بكل حتميّة إلى انتشار ظاهرة الفوضى. ومن هنا جاءت فكرة التنظيم الدولي الدائم، التي تجسدت أولًا في عصبة الأمم سنة 1919 كمحاولة أولى لتقنين السلم العالمي، ثم في هيئة الأمم المتحدة سنة 1945 كصيغة أكثر نضجًا لتوازن السيادة والمسؤولية الجماعية.

    سنتناول في هذه المحاضرة مسار هذا التحول التاريخي من نظام ويستفاليا إلى النظام الأممي الحديث، من خلال تحليل المراحل الأساسية: نشأة عصبة الأمم، فشلها، ثم تأسيس هيئة الأمم المتحدة، ومقارنة المؤسستين من حيث البنية والفاعلية، قبل أن نتوقف عند أهمية المنظمة الأممية ودور مؤسساتها المتخصصة في إدارة قضايا العالم المعاصر. ويمكن طرح الإشكالية التالية حول موضوع هذه المحاضرة كما يلي:

    كيف انتقل العالم المعاصر من "فوضى العلاقات بين القوى" إلى محاولات تنظيمها عبر المنظمات الدولية؟؟، وهل يمكن تسير شؤون العالم من دون الحاجة إلى وجود منتظم دوليّ؟

*1ــ التحول من نظام ويستفاليا 1648 إلى عصبة الأمم 1914.

    بعدما أنهت معاهدة ويستفاليا 1648 حرب الثلاثين عاما من النزاعات الدينية الأوروبية الدامية، أرست الأسرة الدولية مفهوم سيادة الدولة بوصفها صاحبة القرار داخل حدودها، ودون تدخل خارجيّ في شؤونها الداخلية، تأسّس التوازن بين القوى الأوروبية ليصبح (آلية رئيسية لحفظ السلم)، لكنّ هذا النظام الويستفاليّ كان أوربيّا صرفا، وقائما على الردع بدل التعاون، مما تسبب في فشل هذا النظام الدولي في منع الحروب الكبرى مثل (الحروب النابليونية ثم الحرب العالمية الأولى)، وبعد ثلاثة قرون من الحروب الإمبراطورية الصادمة، أدّت الثورة الصناعيّ في القرن 19م إلى ظهور فكر ليبراليّ دوليّ شكّل نواة أساسية لظهور هيئة الأمم المتحدة على مرحلين، بناء على ما يدعى (أطروحة السلام الدائم لكانط)، إضافة إلى ظهور القانون الدولي الإنسانيّ، وانعقاد مؤتمر لاهاي عامي 1899 و 1907، وهي النواة الأولى للمنتظم الدولي الحديث. فتراكمت هذه لعوامل تمهّد ظهور فكرة التنظيم الدوليّ الدائم بعد عام 1918.

*2ــ عصبة الأمم: أهدافها، بنيتها، أسباب فشلها:

    أسست معاهدة فرساي 1919 باقتراح من الرئيس الأمريكيّ وودرو ويلسون (النقطة 14 من مبادئه)، وكان الهدف من تأسيس عصبة الأمم: (حفظ السلم العالمي ومنع الحروب، نزع السلاح، تسوية النزاعات بالتحكيم والوساطة، تعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي).

    كانت عصبة الأمم تتكون مؤسسيا من عدة هياكل عامة (مجلس العصبة وهو الهيئة التنفيذية التي تضم الدول الكبرى، الجمعية العامة والتي تمثل جميع الدول الأعضاء، الأمانة العامة وهي جهاز إداري لقيادة العصبة، مؤسسات فرعية مثل محكمة العدل الدولية الدائمة، ومنظمات فنية أخرى). ورغم نوايا مؤسسي عصبة الأمم لتأسيس منتظم دولي دائم، إلاّ أنّ غياب الولايات المتحدة رغم أنها صاحبة الفكرة، أدى إلى فشل عصبة الأمم، إضافة إلى ضعف آلية الردع بسبب طبيعة القرارات غير ملزمة في عصبة الأمم، وصعود الأنظمة الفاشية (إيطاليا، ألمانيا، اليابان)، إضافة إلى عجز عصبة الأمم أمام غزو منشوريا (1931)، وإثيوبيا (1935)، وبولونيا (1939). وبالتالي انهارت العصبة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولم يعد هنالك أيّ داع للاعتراف بأيّ استمرار  لدورها غير الفعّأل.

*3ــ تأسيس هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية:

    أدّت بشاعة الحرب العالمية الثانية إلى مقتل 60 مليون قتيل، فأصبحت الحاجة إلى نظام أكثر صرامة وفعالية دافعا للدفاع مجددا عن فكرة تأسيس منتظم دولي دائم، يكون منبرا دولا للدفاع عن المشترك الإنسانيّ بعد أهوال الحرب الكونية، فانعقد مؤتمر سان فرانسيسكو (جويلية 1945) بمشاركة 50 دولة، للنقاش حول تأسيس هذا المنتظم الدوليّ الجديد الذي انتقل من مركزية أوروبا The Euro-Centric إلى مفهوم أممي أكثر عالمية، بمعنى تدويل العلاقات الدولية خارج الإطار الأوروبي الضيق.

    يؤكّد تطوير المنتظم الدولي من عصبة الأمم إلى هيئة الأمم المتحدة أنّ الأمم المتحدة استمرار لفكرة التنظيم الدولية عبر إعادة صياغة النظام المؤسسي الدولي، وليست قطيعة مع الماضي وتاريخ التعاون الدولي بين الأمم. حيث ورثت الأمم المتحدة الكثير من الآليات الإدارية والفكرية والمؤسساتية من العصبة مثل (فكرة الأمن الجماعي، مبدأ تسوية النزاعات سلميا، إنشاء لجان متخصصة في مجالات العمل الصحة واللاجئين..).

    ظهر ميثاق الأمم المتحدة و وُقّع في (26 جوان 1945)، ودخل حيّز التنفيذ في (24 أكتوبر 1945)، وتعتبر وثيقة التأسيس سببا في وصف الدول الموقّعة بأنّها دول ذات عضوية أصلية، ومن المبادئ الأساسية لتأسيس الأمم المتحدة: (احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، حل النزاعات بالطرق السلمية، التعاون الدولي لتحقيق التنمية وحقوق الإنسان)، مع إعطاء دور قيادي للدول المنتصرة عبر مجلس الأمن.

*4ــ مقارنة عصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة:

    تتشابه عصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة، في أنّها نتيجة للفكر الدوليّ الذي ناضل للانتقال من نظام توازن القوى العسكري إلى الحكومة العالمية، لكن الرهان على إلزامية القرارات في تجربة عصبة الأمم تحول إلى هاجس في تأسيس المنتظم الدولي لهيئة الأمم المتحدة.

عنصر المقارنة

عصبة الأمم

هيئة الأمم المتحدة

التأسيس والمقر

بعد الحرب العالمية الأولى 1919، مقرها جينيف

بعد الحرب العالمية الثانية 1945، نيويورك

العضوية

عضوية محدودة (دول أوروبا بالأساس)

شبه عالمية (193 دولة)

الهيكل

جمعية عامة + مجلس تنفيذي + أمانة عامة

6 أجهزة رئيسية + وكالات متخصصة

آلية التنفيذ

قراراتها غير ملزمة

قارات مجلس الأمن ملزمة تحت الفصل السابع

حفظ السلم

لم تمتلك قوات تنفيذية

يمكنها إنشاء قوات حفظ سلام

الدور الأمريكي

غابت عنه

أمريكا عضو مؤسس ودائم في مجلس الأمن

النتيجة

فشلت في منع الحرب العالمية الثانية

مازالت قائمة رغم التحديات، وهناك مبادرات لإصلاحها وحوكمتها

 

   يؤكّد الباحثون أنّ المعاهدات تظلّ الوسيلة الأهم لتطوير العمل الأممي من عصبة الأمم إلى هيئة الأمم المتحدة، وهو ما يطرح التساؤل الهامّ: كيف تستخدم المعاهدات كأداة لإدارة النظام الدولي في ظلّ عصبة الأمم ثم هيئة الأمم المتحدة؟.

*5ــ أهمية هيئة الأمم المتحدة وأدوارها:

    هناك نظام خاص بالاتفاقيات الأممية متعددة الأطراف يسمى نظام فيينا للمعاهدات 1969، حيث لا تصنع الأمم المتحدة المعاهدات الدولية فقط، بل تنظّم مجموعة من المعاهدات التخصصية التي تشمل موضوعات (القانون الإنساني، حقوق الإنسان، البيئة، نزع السلاح، وغيرها)، ويكون التعبير عنها عبر آليات (التفاوض، التوقيع، التصديق، الانضمام، التحفظ، الانسحاب). وتعمل الأمانة العامة على تسجيل المعاهدات بموجب المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة. ومن بين المعاهدات الأممية:

1ــ السلام والأمن Peace and Security: اتفاقيات نزع السلاح وحضر الأسلحة النووية، وتنظيم قوات حفظ السلام.

2ــ حقوق الإنسان Human Rughts: العهدان الدوليان 1966، واتفاقيات مكافحة التمييز ومنع التعذيب.

3ــ البيئة Environment: من ستوكهولم 1972 إلى باريس 2015.

4ــ التجارة والتنمية Trade and Development: دور الأونكتاد (UNCTAD) ومنظمة التجارة العالمية OMC/WTO.

5ــ العدالة الجنائية Criminal Justice: إنشاء المحكمة الجنائية الدولية واتفاقيات مكافحة الفساد والجريمة المنظمة.

    تعني هذه النماذج من الاتفاقيات أنّ هيئة الأمم المتحدة هي محرك النظام المعاهدي الدولي، حيث تحولت المعاهدات الدولية الأممية إلى أداة للحوكمة العالمية، وفرض توازن القوى الدولية.

    تقوم هيئة الأمم المتحدة بحفظ السلم والأمن الدوليين عبر نشر قوات لحفظ السلام في أكثر من 70 بعثة أممية (للقبعات الزرقاء) منذ عام 1948. كان دور هذه البعثات حماية التسوية الفورية للنزاعات الكبرى مثل: (قناة السويس، الكونغو، كمبوديا، ناميبيا)، وهو ما يدعى حفظ السلام Peacekeeping خاصة في فترة الحرب الباردة، أما بعد الحرب الباردة فقد اهتمت الأمم المتحدة ببناء السلام Peacebuilding.

     كما اعتمدت هيئة الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يعتبر الصحوة الأولى لحقوق الإنسان قبل متمر فيينا الثاني لعام 1992، ووضعت هذه المؤسسات الأممية رؤيتها حول موضوع التنمية المستدامة (SDGs 2030) لحفظ حقوق الأجيال المقبلة.  إضافة غبى جهود هذا المنتظم في دعم الدول النامية بالمساعدات التقنية والاقتصادية.

    قامت الهيئة الأممية بإنشاء مجلس حقوق الإنسان (2006)، وحرصت على تدوين القواعد القانونية عبر محكمة العدل الدولية، وتعتبر مسائل (إصلاح مجلس الأمن، حكمانية القرار الأممي وترشيده، منع ازدواجية المعايير في استخدام الفيتو، إضافة إلى صعوبة مواجهة القوى الكبرى)، أهمّ التحديات التي تواجه دور هيئة الأمم وترهن مستقبل دورها أمام ظاهرة احتدام التنافسات.

*6ــ المؤسسات المتخصصة في هيئة الأمم المتحدة:

    يمكن التأكيد أنّ الأمم المتحدة ليست فقط وليدة للحرب العالمية الثانية، بل وليدة تاريخ من محاولات الأمم لحفظ السلم والأمن الدوليين، أي أنّ فكر عصبة الأمم لم يمت بل تحول إلى وعي عالمي قابل للتمثّل في مؤسسة مستقرة للتنظيم الدولي.

    أسست هيئة الأمم المتحدة عددا من المؤسسات الفنية من بينها: (منظمة الصحة العالمية (WHO) والتي تعنى بموضوعات الصحة العامة ومكافحة الأوبئة، منظمة الأغذية والزراعة (FAO) والتي تعنى بقضايا الأمن الغذائي والزراعة. منظمة العمل الدولية (ILO) وهي مؤسسة متخصصة في وضع معايير العمل وحقوق العمال. اليونسكو (UNESCO) وتعتبر أعلى مؤسسة دولية لتنظيم شؤون التعليم، الثقافة، التراث. منظمة الطيران المدني (ICAO) وهي المنظمة التي تنشغل بمسائل سلامة النقل الجوي. الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) والذي يناقش تحولات تكنولوجيا الاتصال خاصة بعد أن أصبح الأنترنت من أهمّ حقوق الإنسان التي تفرض شواغلها لتنظيم هذا القطاع الهام والحسّاس، صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي وهي مؤسسات تهتم بمسائل التنمية والتمويل. الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) وهي مؤسسة متخصصة في مهام الرقابة النووية).

    من الواضح أنّ هذه التخصّصات الفنيّة قد فرضتها حاجة هيئة الأمم المتحدة لاستخدام عدة موظفين دوليين متخصصين لتوزيع مهامها على مختلف القطاعات، ثم تخصيص كل قطاع لتنفيذ الأجندة الأممية في كل أقطار العالم. وكلما ازدادت مستويات التعقيد الفنيّ كانت حاجة هذه المنظمة للمزيد من الموظفين الأمميين أكثر.

*ــ الخاتمة.

           يمكن القول أنّ هنالك بحثا إنسانيا دائما عن صيغة عادلة لتنظيم العالم، تعطي للعمل الدبلوماسي الفرصة الكاملة لحلّ النزاعات الدولية، وحفظ السلم والأمن الدوليين. فقد كشفت تجربة عصبة الأمم عن حدود المثالية والفشل في توظيف القوة لحماية السلم، كما أظهرت تجربة هيئة الأمم المتحدة حدود القوة حين تغيب عنها العدالة أو يتم استخدامها من قبل القوى الكبرى. ومع ذلك، تبقى الأمم المتحدة أهم إنجاز سياسي في تاريخ البشرية الحديث، لأنّها ليست مجرد منظمة، بل ذاكرة جماعية لتجارب الأمم، ومنبر دائم لإرادة الشعوب في مواجهة الهيمنة والفوضى، خاصة وأنّ هيئة الأمم المتحدة تعتبر منظما انتقاليا بين النظام الاستعماري نحو نظام دولي ما بعد كولونيالي حديث، منصف للدول النامية.

***********************

*ــ مراجع المحاضرة للاطلاع:

1– Simon Chesterman, David M. Malone, Santiago Vilapando, The Oxford Handbook of United Nations Treaties (New York – London: Oxford University Press, 2019).

2Simon Jackson, The Institution of International Order: From The Ligue of Nations to The United Nations (New York: Routledge Pubs., 2018).

3ــ Fernando Cavalcante, Peacebuilding in The United Nations: Coming into Life (New York: Routledge Pubs., 2019).

4Cedric de Coning, Mateja Peter, United Nations Peace Operations in Changing Global Order (New York – London: Palgrave Macmillan, 2019).

المحاضرة السادسة:                                               الثلاثاء: 04/11/2025

 

الشخصية القانونية للمنظمات الإقليمية الدولية والأحلاف العسكرية:

Legal Personality of International Regional Organizations and Military Alliances:

دراسة مقارنة للمعاهدة المؤسسة

A comparative study of the founding treaty

*ــ مقدمة.

*1ــ ماهية المنظمات الإقليمية الدولية.

*2ــ الإطار القانوني للمنظمات الإقليمية الدولية.

*3ــ تطور المنظمات الإقليمية الدولية وأنواعها.

*4ــ الأحلاف العسكرية الحديثة: دراسة لاتفاقية حلف الناتو أنموذجا.

*5ــ المنظمات الأمنية الدولية: منظمة شنغهاي للتعاون نموذجا.

*ــ الخاتمة.

*****************************************

*ــ مقدمة.

    لم تعد الأمم المتحدة كافية وحدها لضبط النظام الدولي، لذلك تلجأ الدول إلى تمييز هوياتها وفق دوائر انتمائها، وغالبا ما يعتبر المتغير الجغرافيّ أهمّ متغيرات التنظيم الإقليمي بين الدول المتجاورة، والمتجانسة قيميا، لتأسيس مؤسسة فوق قومية كلانية شاملة، لتجنب الفوضى.

    برزت المنظمات الإقليمية والدولية كأحد أهمّ آليات التنظيم والتنسيق بين الدول، بهدف تحقيق الأمن الجماعي، والتنمية المشتركة، والتكامل السياسي والاقتصادي. وقد مثّل قيام هذه المنظمات خطوة متقدمة في تطور المجتمع الدولي من حالة التنافس الفوضوي بين الدول إلى مرحلةٍ جديدة يسودها منطق المؤسّسة والتعاون المنظَّم.

    يؤدي تفكيك ماهية المنظمات الإقليمية الدولية، إلى دراسة (مفهومها، خصائصها، وأهدافها في النظام الدولي الحديث)، ثم تناول الإطار القانوني الذي تستند إليه هذه المنظمات في عملها، من خلال المواثيق والاتفاقيات التي تحدّد صلاحياتها، وآليات اتخاذ القرار فيها، ومدى خضوعها للقانون الدولي العام. كما أن تعدد أشكال المنظمات الإقليمية له دوافع سياسية أو اقتصادية أو أمنية، تفرضها التجارب الإقليمية في كل المناطق (أوروبا، آسيا، إفريقيا، والعالم العربي).

    وتعتبر الأحلاف العسكرية الحديثة شكلاً من أشكال التعاون الإقليمي ذو الطابع الدفاعي، ويعتبر حلف شمال الأطلسي (الناتو) النموذج الأبرز لتحالفٍ غربيّ نجح في تجاوز الحرب الباردة وظلّ فاعلاً في إعادة تشكيل الأمن الدولي بعد عام 1991. كما تعرض منظمة شنغهاي للتعاون كنموذج موازٍ من العالم الآسيوي يعكس تحوّلا موازان للقوى الدولية في القارة الآسيوية، تجسّد توجّهاً جديداً نحو تعدديةٍ أمنيةٍ غير غربية، تقوم على مبدأ احترام السيادة ومكافحة التهديدات المشتركة دون وصاية دولية.

    فكيف ساهمت المنظمات الإقليمية الدولية والاحلاف العسكرية في إعادة تشكيل المنتظم الدولي خلال فترتي الحرب الباردة وعصر العولمة؟، وما هي مبررات التكتل الإقليمي في أحلاف عسكرية للأمن الجماعي الإقليمي؟.

*1ــ ماهية المنظمات الإقليمية الدولية:

    تُعرَّف المنظمات الإقليمية الدولية بأنها هيئات مؤسسية دائمة تنشأ بموجب اتفاقٍ بين عددٍ من الدول المتجاورة جغرافيًا أو المتقاربة حضاريًا أو سياسياً، بهدف تحقيق مصالح مشتركة ضمن نطاقٍ إقليميّ محدّد. وهي تُعدّ امتدادًا لفكرة التعاون الدولي، لكن في إطارٍ جغرافيّ أضيق وأكثر تخصصًا، بما يسمح بقدرٍ أكبر من التنسيق والفاعلية.

    تتميّز هذه المنظمات بامتلاكها شخصية قانونية دولية، وتمارس اختصاصاتها ضمن الصلاحيات التي يحدّدها ميثاقها التأسيسي، سواء في مجالات السلم والأمن، أو الاقتصاد، أو التنمية، أو الثقافة. ومن أبرز أمثلتها: الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الإفريقي، جامعة الدول العربية، ومنظمة الدول الأمريكية.

    تكتسب أهمية المنظمات الإقليمية من كونها أصبحت حلقة وصلٍ بين السيادة الوطنية والعولمة الدولية، إذ تسمح للدول الأعضاء بتنسيق سياساتها دون فقدان كامل لاستقلالها، مما يجعلها أحد أدوات بناء النظام الدولي المتعدد المستويات.

*2ــ الإطار القانوني للمنظمات الإقليمية الدولية:

    يقوم الإطار القانوني للمنظمات الإقليمية الدولية على القانون الدولي العام، وخاصةً مبادئ ميثاق الأمم المتحدة الذي يعترف في مادته (52) بشرعية التنظيمات الإقليمية ودورها في حفظ السلم والأمن الدوليين.

    تُنشأ هذه المنظمات عادةً بموجب اتفاقية أو معاهدة جماعية تُعد بمثابة دستورٍ يحدّد أهدافها، أجهزتها، آليات اتخاذ القرار، وشروط العضوية والانسحاب. كما تتمتع المنظمات الإقليمية بالشخصية القانونية الدولية التي تخولها إبرام الاتفاقيات، وامتلاك الأهلية القانونية أمام القضاء الدولي، والتمتع بالحصانة الدبلوماسية لموظفيها وممثليها.

    وتنظم القواعد العرفية والاتفاقية العلاقة بين المنظمة والدول الأعضاء من جهة، وبينها وبين المنظمات الدولية الأخرى من جهةٍ ثانية. ويبرز ضمن هذا الإطار دور محكمة العدل الدولية في تسوية النزاعات التي قد تنشأ عن تفسير أو تطبيق مواثيق هذه المنظمات.

    لذلك، فإن الإطار القانوني يمثّل الركيزة الضامنة لشرعية المنظمات الإقليمية واستقلاليتها، ويُحدّد بدقة حدود سلطاتها في مواجهة سيادة الدول الأعضاء.

    وغالبا ما تميل التجارب التكاملية الإقليمية إلى التدرج في تأسيس تجربتها الوحدوية مثل تجربة الاتحاد الأوروبي: (تأسيس السوق المشتركة الاتحاد الجمركي، إزالة الرسوم لتأسيس منطقة التجارة الحرة، الاتحاد النقدي، الاتحاد السياسي).

*3ــ تطور المنظمات الإقليمية الدولية وأنواعها:

    شهدت المنظمات الإقليمية تطوراً تدريجياً مع تغيّر بنية النظام الدولي. فقد برزت أولاً بعد الحرب العالمية الثانية، كردّ فعل على عجز عصبة الأمم عن منع الحروب، فظهرت جامعة الدول العربية (1945)، ومنظمة الدول الأمريكية (1948)، ثم الاتحاد الأوروبي الذي تطوّر من الجماعة الأوروبية للفحم والصلب (1951) إلى اتحاد سياسي واقتصادي متكامل.

مع نهاية الحرب الباردة، ازداد عدد هذه المنظمات واتّسعت مجالات عملها لتشمل قضايا البيئة، وحقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب، والتنمية المستدامة.

وتنقسم المنظمات الإقليمية اليوم إلى أنواع رئيسية:

ــ منظمات سياسية وأمنية (مثل الاتحاد الإفريقي، مجلس التعاون الخليجي).

ــ منظمات اقتصادية وتنموية (مثل الآسيان ASEAN، وميركوسور MERCOSUR).

ــ منظمات دفاعية وعسكرية (مثل حلف الناتو، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي).

ــ منظمات ثقافية أو فنية (مثل المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم – الإيسيسكو).

    يعكس هذا التنوّع التحوّل من منطق التحالفات العسكرية إلى منطق التكامل الوظيفي والتعاون المتعدّد الأبعاد.

*4ــ الأحلاف العسكرية الحديثة: دراسة لاتفاقية حلف الناتو أنموذجا:

    يُعتبر حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي تأسّس سنة 1949 بموجب معاهدة واشنطن، أبرز نموذج للأحلاف العسكرية الحديثة. جاء تأسيسه في سياق الحرب الباردة كتحالفٍ دفاعيّ بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية الغربية لمواجهة التهديد السوفياتي، ويرتكز على المبدأ المحوري الوارد في المادة الخامسة من المعاهدة، التي تنصّ على أن "الاعتداء على أيّ عضوٍ في الحلف يُعدّ اعتداءً على الجميع".

    يمتلك الناتو بنية مؤسسية متطورة تشمل: مجلس شمال الأطلسي (الهيئة العليا لصنع القرار)، اللجنة العسكرية، الأمانة العامة، والقيادات الاستراتيجية المشتركة.

    وقد شهد الحلف تحوّلاً نوعيًا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث تجاوز طابعه الدفاعي الإقليمي إلى أداء أدوارٍ أمنية عالمية، مثل: التدخل في البلقان، أفغانستان، ليبيا، ومهام التدريب في العراق.

أصبح الناتو اليوم يمثل أداة لإدارة الأمن العالمي وفق الرؤية الغربية، رغم الجدل حول شرعية بعض عملياته التي جرت دون تفويضٍ من مجلس الأمن، مما يجعل دراسته ضرورية لفهم طبيعة الأحلاف العسكرية الحديثة في ظل التنافس الدولي المتجدد.

*5ــ المنظمات الأمنية الدولية: منظمة شنغهاي للتعاون نموذجا:

    تُعدّ منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) نموذجًا مميّزًا للمنظمات الأمنية غير الغربية، إذ أُسست سنة 2001 بمبادرة من الصين وروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، ثم انضمت إليها لاحقًا الهند وباكستان، مع حصول إيران على العضوية الكاملة سنة 2023.

تسعى المنظمة إلى تعزيز الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب والتطرف والانفصال، وتطوير التعاون الاقتصادي والثقافي بين دول آسيا الوسطى. وتستند في عملها إلى مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة الدول، ما يجعلها تمثّل رؤيةً مغايرة للنموذج الغربي القائم على التدخل الإنساني.

    تتكوّن من عدة أجهزة، أبرزها مجلس رؤساء الدول، ومجلس رؤساء الحكومات، والأمانة العامة في بكين، وهيئة مكافحة الإرهاب الإقليمية في طشقند.

    تُعدّ منظمة شنغهاي اليوم محوراً استراتيجياً للتوازن الجيوسياسي في آسيا، وتمثل أحد مظاهر صعود الشرق في النظام الدولي، عبر ما يمكن تسميته بـ الأمن التعاوني الأوراسي الذي يقوم على الشراكة بدل المواجهة، والتكامل بدل الإقصاء.

 

*ــ الخاتمة.

    تحولت المنظمات الإقليمية والدولية إلى أحد الأعمدة الأساسية للنظام الدولي المعاصر، بعد أن تجاوزت مرحلة التحالفات المؤقتة إلى بناء مؤسساتٍ دائمة تُنظّم التعاون بين الدول وتُحدّد آليات صنع القرار الجماعي. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أدرك المجتمع الدولي أنّ الأمن والسلم والتنمية لم تعد شؤونًا وطنية خالصة، بل هي قضايا مشتركة تتطلّب إدارة جماعية ومؤسسية.

     أظهرت التجارب الدولية المقارنة أنّ الإقليمية ليست بديلًا عن النظام الدولي، بل مكمّلة له، وأنّها تمنح الدول هامشًا أوسع للتنسيق ومواجهة التحديات ضمن بيئةٍ جغرافية وثقافية متقاربة. وتؤكد دراسة كلٍّ من حلف الناتو ومنظمة شنغهاي للتعاون أنّ العالم يشهد اليوم تعدّدية في النماذج الأمنية؛ أحدها غربيّ يقوم على الردع والقوة الصلبة، وآخر شرقيّ يقوم على الحوار والسيادة والتوازن.

***********************

*ــ مراجع المحاضرة للاطلاع:

1– Rhiannon Morgan, Transforming Law and Institution: Indigenous Peoples, the United Nations and Human Rights (New York: Routledge Pubs., 2011).

2– Kühnemund Jan, Tommila Laura, Exploring intervention: displacement, cultural practices and social knowledge in Uganda (UK: Cambridge Scholars Publishing، Newcastle upon Tyne, 2018).

3ــ Williams Paul, Bellamy Alex, Providing peacekeepers : the politics, challenges, and future of United Nations peacekeeping (New York – London: Oxford University Press, 2013).

4ــ Paul Boghossian, Gordon Brown Diane, The Universal Declaration Of Human Rights In The 21st Century: A Living Document In A Changing (UK:  CambridgeUniversity Press, 2013).

 

 

 ************************

 

 

 

 

 

الجزء الثالث للمحاضرات

 

المحاضرة السابعة:

المؤسسات الدولية.. دراسة لمنظومة بريتون وودز: البنك الدولي – صندوق النقد الدولي أنموذجا

المحاضرة الثامنة:

تنظيم العلاقات التجارية الدولية في OMC/WTO: نظام التصويت والتحكيم وفض المنازعات

المحاضرة التاسعة:

المنظومة القضائية للأمم وفض  المنازعات: محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية أنموذجا

 

 

 

 

 *************************

 

 

 

 

المحاضرة السابعة:                                                  الثلاثاء: 11/11/2025

 

المؤسسات الدولية.. دراسة لمنظومة بريتون وودز

International Institutions:

 A Study of the Bretton Woods System:

البنك الدولي – صندوق النقد الدولي أنموذجا

World Bank - International Monetary Fund as a model

*ــ مقدمة.

*1ــ مؤتمر بريتون وودز وسياقه التاريخي.

*2ــ البنك الدولي: الإطار القانوني ونظام العضوية.

*3ــ صندوق النقد الدولي: هيكلته وسياساته المالية.

*4ــ منظومة بريتون وودز بعد عام 1971 (نهاية قاعدة الذهب).

*5ــ مشكلة الديون الخارجية وزعزعة سيادة الدول النامية نموذجا.

*ــ الخاتمة.

*****************************************

*ــ مقدمة.

    أدركت الدول المنتصرة أنّ تحقيق السلام الدائم لا يمكن أن يقوم على الردع العسكري وحده، كما حاولت أن تفعل المنظمات الدولية والأحلاف الأمنية التابعة للأمم المتحدة، بل إنّ الاستقرار الاقتصادي العالمي يشكّل الركيزة الأساسية لضمان الأمن والسلم بين الأمم. فكانت الحاجة ملحّة إلى إعادة بناء النظام المالي الدولي على أسس جديدة تُنهي الفوضى النقدية التي سادت بين الحربين العالميتين، وتمنع تكرار الأزمات الاقتصادية الكارثية مثل أزمة الكساد العظيم عام 1929، التي زعزعت الاقتصاد العالمي وأدت إلى صعود الأنظمة المتطرفة.

    وُلدت منظومة بريتون وودز سنة 1944، لتشكّل الإطار التأسيسي لنظام نقدي ومالي دولي جديد قوامه التنسيق بين السياسات الاقتصادية للدول، وتنظيم العلاقات النقدية، وتمويل التنمية، وضمان استقرار أسعار الصرف. وقد انبثقت عن هذا النظام مؤسستان محوريتان هما: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، اللتان تولّتا مهمة تمويل إعادة إعمار أوروبا، ثم مساعدة الدول النامية على بناء اقتصاداتها بعد الاستقلال.

     شهد العالم في ظل هذه المنظومة ما يُعرف بعصر الازدهار الرأسمالي بين سنتي 1945 و1971، حيث تميّزت تلك المرحلة بنمو اقتصادي مستقر وانخفاض معدلات البطالة والتضخم، إلى أن تغيّر النظام جذريًا عندما فُكّ ارتباط الدولار بالذهب، لتبدأ مرحلة جديدة من العولمة المالية. غير أنّ مؤسسات بريتون وودز، التي وُلدت تحت شعار التعاون الاقتصادي الدولي، تحوّلت في كثير من الحالات إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي على الدول النامية، من خلال فرض برامج التكييف الهيكلي والمشروطية المالية كشرط للحصول على القروض أو إعادة جدولة الديون.

     ومن هنا، تبرز الإشكالية المركزية لمحاضرتنا:

    ما هو الإطار القانوني والمؤسسي لمنظومة بريتون وودز؟ وكيف ساهمت مؤسساتها خاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في إعادة بناء الاقتصاد العالمي؟ وهل تحوّلت من أدوات للتنمية إلى أدوات للهيمنة الاقتصادية؟.

*1ــ مؤتمر بريتون وودز وسياقه التاريخي:

    انعقد مؤتمر بريتون وودز في يوليو 1944 بولاية نيوهامبشر الأمريكية، بمشاركة 44 دولة حليفة، في ظل دمار الحرب العالمية الثانية والأزمة الاقتصادية العالمية. هدف المؤتمر إلى إعادة بناء النظام المالي الدولي بما يضمن الاستقرار النقدي ويمنع تكرار الفوضى الاقتصادية التي مهدت للحروب. قاد النقاش فيه كلٌّ من جون ماينارد كينز ممثل بريطانيا، وهاري دكستر وايت ممثل الولايات المتحدة، في صراع حول قيادة النظام المالي العالمي الجديد.

    انتهى المؤتمر إلى إنشاء صندوق النقد الدولي (IMF) لتنظيم أسعار الصرف ومراقبة السياسات النقدية، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD) لتمويل مشاريع الإعمار والتنمية. كما أُقرّ نظام نقدي دولي جديد يقوم على ربط العملات بالدولار القابل للتحويل إلى الذهب بسعر 35 دولارًا للأونصة، ما جعل الدولار محور النظام المالي وأكد الهيمنة الاقتصادية الأمريكية بعد الحرب.

    عرف العالم بفضل هذا النظام فترة ازدهار استثنائية بين 1945 و1971 سُميت بـ"العصر الذهبي للرأسمالية"، اتسمت بالنمو والاستقرار النقدي. غير أنّه بدأ ينهار أواخر الستينيات مع تراجع احتياطات الذهب الأمريكية، إلى أن أعلن نيكسون سنة 1971 إنهاء قابلية تحويل الدولار إلى الذهب، لتبدأ مرحلة جديدة من العولمة المالية وأسعار الصرف العائمة. وهكذا، لم يكن مؤتمر بريتون وودز مجرد اتفاق اقتصادي، بل تحولًا استراتيجيًا أعاد رسم النظام الدولي وهيأ لقيادة أمريكية عبر الاقتصاد بدل القوة العسكرية.

*2ــ البنك الدولي: الإطار القانوني ونظام العضوية:

    يُعدّ البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD)، الذي تأسس سنة 1945 عقب مؤتمر بريتون وودز، من الركائز الأساسية للنظام المالي الدولي. يقوم على ميثاق قانوني دولي يحدّد أهدافه في تمويل مشاريع الإعمار والتنمية ومحاربة الفقر، مستندًا إلى القانون الدولي الذي يمنحه شخصية قانونية مستقلة تمكنه من إبرام الاتفاقات والتقاضي.

    يرتبط الانضمام إلى البنك الدولي بعضوية صندوق النقد الدولي، وتُحدَّد حصص الدول الأعضاء وفقًا لقوتها الاقتصادية ومساهمتها المالية، ما يمنح الدول الكبرى — خاصة الولايات المتحدة — نفوذًا واسعًا في اتخاذ القرار. ويتكوّن هيكله من مجلس المحافظين (السلطة العليا)، ومجلس المديرين التنفيذيين، ورئيس البنك الذي يشرف على الاستراتيجية العامة.

    يتميّز الإطار القانوني للبنك بالجمع بين القواعد القانونية والمعايير الاقتصادية، لكنه يُنتقد بسبب هيمنة القوى الغربية واستخدام شروط التمويل التي قد تمسّ بسيادة الدول النامية.

    وتُعرف المنظومة بأكملها باسم مجموعة البنك الدولي (World Bank Group)، وتتألف من خمس مؤسسات رئيسية:

1ــ البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD – International Bank for Reconstruction and Development): يمول مشاريع التنمية في الدول متوسطة الدخل.

2ــ المؤسسة الدولية للتنمية (IDA – International Development Association) 1960: تقدم قروضًا ميسّرة ومنحًا لأفقر الدول.

3ــ المؤسسة المالية الدولية (IFC – International Finance Corporation) 1956: تدعم تنمية القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار.

4ــ الوكالة الدولية لضمان الاستثمار (MIGA – Multilateral Investment Guarantee Agency) 1988: توفر ضمانات ضد المخاطر السياسية للمستثمرين.

5ــ المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID – International Centre for Settlement of Investment Disputes) 1966: تفصل في نزاعات الاستثمار بين الدول والمستثمرين.

*3ــ صندوق النقد الدولي: هيكلته وسياساته المالية:

    تأسس صندوق النقد الدولي (FMI/IMF) سنة 1944 في مؤتمر بريتون وودز وبدأ نشاطه عام 1945، بهدف ضمان استقرار النظام النقدي الدولي ودعم الدول الأعضاء عند مواجهتها أزمات مالية أو اختلالات في ميزان المدفوعات. ويُعدّ أحد أبرز المؤسسات المالية التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة بناء الاقتصاد العالمي وتعزيز التعاون النقدي الدولي.

    يتكوّن الصندوق من مجلس المحافظين كأعلى سلطة، يضم ممثلين عن كل دولة عضو، ويتولى رسم السياسات الكبرى مثل تعديل الحصص وتوزيع حقوق السحب الخاصة. أما المجلس التنفيذي، فيضم 24 مديرًا يمثلون الدول أو المجموعات الإقليمية، ويشرف على الإدارة اليومية برئاسة المدير العام الذي يُنتخب لخمس سنوات قابلة للتجديد وغالبًا ما يكون من أوروبا، بينما يُعيَّن نائبه الأول من الولايات المتحدة.

     يضم الصندوق كذلك إدارات فنية وإقليمية تُعنى بالشؤون المالية والبحوث والإحصاءات والتدريب، وتقدّم المشورة الفنية والتقارير الاقتصادية حول الدول الأعضاء.

    يجمع الصندوق بين الطابعين الاقتصادي والسياسي، إذ يمثل من جهة إطارًا للتعاون المالي الدولي، ومن جهة أخرى أداة للتأثير في السياسات الاقتصادية للدول. غير أن هيكليته تواجه انتقادات مستمرة بسبب هيمنة الدول الكبرى، خصوصًا الولايات المتحدة، على قراراته بفضل امتلاكها لأكبر حصة تصويتية، ما يجعل من الصندوق أداة نفوذ سياسي واقتصادي إلى جانب دوره المالي.

*4ــ منظومة بريتون وودز بعد عام 1971 (نهاية قاعدة الذهب):

    شهد النظام المالي الدولي تحولًا جذريًا مطلع السبعينيات، عندما أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عام 1971 وقف تحويل الدولار إلى الذهب، منهياً بذلك قاعدة الذهب التي قامت عليها منظومة بريتون وودز. جاء هذا القرار نتيجة أزمة الثقة في الدولار بسبب العجز الأمريكي المتفاقم وتمويل حرب فيتنام، ما أدى إلى تفكك النظام تدريجيًا واعتماد نظام أسعار الصرف العائمة عام 1973.

     أدّى هذا التحول إلى مرونة أكبر في تحديد العملات وفق العرض والطلب، وفتح الباب أمام تحرير الأسواق المالية وتزايد حركة رؤوس الأموال، لكنه جعل النظام أكثر عرضة للأزمات. في المقابل، أعادت مؤسسات بريتون وودز تحديد أدوارها: ركّز صندوق النقد الدولي على برامج التكيّف الهيكلي، بينما توجه البنك الدولي نحو تمويل التنمية ومحاربة الفقر. وقد أقرّت اتفاقية جامايكا 1976 هذا التحول رسميًا وكرّست هيمنة الدولار كعملة دولية رئيسية.

    ومنذ ذلك الحين، ظل الدولار محور النظام المالي العالمي رغم الأزمات المتكررة، فيما تتجدد اليوم الدعوات لإصلاح هذا النظام وبناء هيكل مالي أكثر عدالة وتعددية يوازن بين الاستقرار النقدي والسيادة الاقتصادية.

*5ــ مشكلة الديون الخارجية وزعزعة سيادة الدول النامية نموذجا:

    تُعدّ مشكلة الديون الخارجية من أبرز مظاهر الاختلال في النظام الاقتصادي العالمي، إذ تحولت من أداة تمويل للتنمية إلى آلية تقييد للسيادة الوطنية في العديد من الدول النامية. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، ومع توسع الاقتراض الخارجي في ظل نظام ما بعد بريتون وودز، وجدت هذه الدول نفسها أمام عبء ديون متراكمة تفوق قدراتها الإنتاجية. ومع ارتفاع أسعار الفائدة في الثمانينيات، تفجّرت أزمة الديون العالمية، لتتحول العلاقة بين الشمال والجنوب إلى علاقة دائن ومدين بدل علاقة شراكة تنموية.

    فرضت المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي برامج التكيّف الهيكلي كشرط لإعادة الجدولة أو الحصول على قروض جديدة. هذه البرامج، رغم هدفها المعلن في “إصلاح الاقتصاد”، أدت عملياً إلى تقليص دور الدولة وخصخصة القطاعات الحيوية، ما زاد من التبعية الاقتصادية والسياسية وأضعف قدرة الحكومات على وضع سياسات مستقلة. وهكذا أصبحت الديون وسيلة غير مباشرة لـزعزعة السيادة الوطنية وفرض نماذج تنموية غربية لا تراعي الخصوصيات المحلية.

    تُظهر تجارب دول أمريكا اللاتينية وإفريقيا أن التحكم الخارجي في القرارات الاقتصادية كثيراً ما يقود إلى اضطرابات اجتماعية واحتجاجات شعبية، في حين يُستخدم سداد الدين كذريعة لتبرير التقشف وتجميد الخدمات العمومية. بذلك، لم تعد الديون مجرد مسألة مالية، بل تحولت إلى أداة جيوسياسية لإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي، حيث يُقاس النفوذ اليوم بقدرة الدول على التحرر من عبء المديونية أكثر من امتلاكها للثروات الطبيعية.

*ــ الخاتمة:

     تُبرز دراسة منظومة بريتون وودز أنّ هذه التجربة التاريخية لم تكن مجرّد ترتيبات مالية بعد الحرب العالمية الثانية، بل كانت مشروعًا متكاملًا لإعادة هندسة النظام الاقتصادي العالمي تحت قيادة القوى المنتصرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. فقد أسّست المؤسستان المنبثقتان عنها — البنك الدولي وصندوق النقد الدولي — لنظام مالي جديد يقوم على مبدأ التعاون الدولي من جهة، وعلى هيمنة المركز الرأسمالي من جهة أخرى، حيث ارتبطت التنمية والتمويل بالولاء السياسي والانضباط الاقتصادي وفق المعايير الغربية.

    غير أنّ التحولات التي شهدها النظام بعد نهاية قاعدة الذهب سنة 1971 كشفت عن تناقضاته البنيوية، إذ تحوّل من نظام استقرار نقدي إلى نظام عولمة مالية محكومة بتقلبات الأسواق وبالهيمنة المطلقة للدولار الأمريكي. وبذلك انتقلت مؤسسات بريتون وودز من كونها أدوات لإعادة الإعمار إلى أدوات لإدارة الأزمات والتحكم في سياسات الدول النامية من خلال برامج التكييف الهيكلي واشتراطات القروض، مما جعل مفهوم “التنمية” ذاته مشروطًا ومؤدلجًا.

    أفرز هذا الواقع معضلة الديون الخارجية كأحد أبرز مظاهر التبعية الاقتصادية المعاصرة، حيث فقدت العديد من الدول النامية قدرتها على صياغة سياساتها الاقتصادية والاجتماعية بشكل مستقل، وأصبحت تخضع لإملاءات المؤسسات الدولية التي تملي عليها سياسات التقشف والخصخصة والانفتاح القسري. وهكذا تحولت التنمية من غاية إنسانية إلى أداة للهيمنة البنيوية داخل النظام الدولي.

***********************

*ــ مراجع المحاضرة للاطلاع:

1– Ariel Buira, Reforming the Governance of the IMF and the World Bank (New York: Anthem Press, 2005).

2– Eric Toussaint, Dept,  The IMF, and the World Bank (UK: Monthly Review Press, 2010).

3ــ John Maynard Keynes, Activities 1941 - 1946: Shaping the Post War World.. Bretton Woods and Reparations (New York – London: Cambridge University Press, 2012).

4ــ Carlo Edoardo Altamura, European Banks and The Rise of International Finance: The Post Bretton Woods Era (UK:  Routledge Publs., 2016).

5ــ Ronald Mackinnon, The Enloved Dollar Standard: From Bretton Woods to The Rise of China (New York – London: Cambridge University Press, 2014).

 

 

 ***************************

 

 

 

 

المحاضرة الثامنة:                                                          الثلاثاء: 18/11/2025

 

المنظومة القضائية للأمم وفض  المنازعات

The Judicial System of Nations and Dispute Settlement:

محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية أنموذجا

The ICJ and the ICC as Models

*ــ مقدمة.

*1ــ ماهية المسؤولية القضائية الدولية ومقتضياتها.

*2ــ الأساس القانوني للتقاضي الدولي.

*3ــ محكمة العدل الدولية ICJ: دراسة مؤسسية قانونية.

*4ــ مقارنة تاريخ المحاكمات الدولية (ألماني، اليابان، يوغسلافيا السابقة، رواندا أنموذجا).

*5ــ المحكمة الجنائية الدولية ICC: التمييز بين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

*6ــ المحاكم التجارية ومشكلة عدم الانضمام لمنظمة التجارة العالمية OMC/WTO.

*ــ الخاتمة.

*****************************************

*ــ مقدمة.

    تُعتبر المنظومة القضائية الدولية أحد الأعمدة الرئيسة للنظام الدولي المعاصر، إذ تهدف إلى تقييد استعمال القوة وتنظيم العلاقات بين الدول عبر مبدأ سيادة القانون الدولي. وقد تطوّرت هذه المنظومة منذ محكمة لاهاي الأولى عام 1899 إلى أن بلغت ذروتها في محكمة العدل الدولية (ICJ) والمحكمة الجنائية الدولية (ICC)، اللتين تمثلان ذروة تطور الوعي القانوني الأممي تجاه قضايا المسؤولية، العدالة، والمساءلة.

    لا تزال فعالية هذه المنظومة القضائية موضع جدل واسع، خصوصًا في ظل هيمنة السياسة على القضاء، وانتقائية تطبيق القانون الدولي، وتفاوت قدرة الدول على الامتثال للأحكام الدولية. فبينما تمثل هذه المحاكم خطوة نحو ترسيخ العدالة الدولية، فإنها تواجه تحديات حقيقية تتعلق بمحدودية الولاية القضائية، وغياب آليات تنفيذ فعّالة، وتداخل الاعتبارات السياسية مع القانونية.

     ومن هنا، تبرز الإشكالية المركزية لهذه المحاضرة، بطرح السؤال:

    كيف يمكن للمنظومة القضائية الدولية ممثَّلة بمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية أن تحقق توازناً بين مبدأ السيادة الوطنية ومتطلبات العدالة الكونية؟، وهل تمثل هذه المحاكم بالفعل أداة فعّالة لتسوية المنازعات وتحقيق العدالة الدولية، أم أنها تظل محكومة بموازين القوى والاعتبارات السياسية التي تعيق استقلالها ووحدتها كمنظومة قانونية عالمية؟

*1ــ ماهية المسؤولية القضائية الدولية ومقتضياتها:

    تُعدّ المسؤولية القضائية الدولية أحد أهم مظاهر تطور القانون الدولي المعاصر، إذ تُجسّد مبدأ خضوع كلٍّ من الدول والأفراد لأحكام الشرعية الدولية، بما يضمن توازنًا بين السيادة والمساءلة. فالمسؤولية هنا لا تنحصر في الإدانة الأخلاقية، بل تمتد إلى الالتزام القانوني بالردّ والتعويض عن الأفعال التي تُخلّ بالسلم والأمن الدوليين أو تنتهك الحقوق الأساسية للإنسان.

    وترتكز هذه المسؤولية على أربعة مبادئ كبرى:

  1ــ المساءلة باعتبارها جوهر العدالة الدولية.

  2ــ التعويض كآلية لإصلاح الضرر.

  3ــ العدالة بوصفها هدفًا نهائيًا.

  4ــ عدم الإفلات من العقاب الذي يُعدّ شرط أخلاق لبقاء النظام الدولي للقانون لا القوة.

    وتتجلى المسؤولية القضائية الدولية في مستويين متكاملين:

  أولا: مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، كخرق المعاهدات أو الاعتداء على سيادة دولة أخرى.

  ثانيا: مسؤولية الأفراد، لا سيما القادة العسكريين والسياسيين، عن الجرائم الدولية الكبرى مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تأكيدًا على أن العدالة لا تُمارس ضد الدول فحسب، بل ضد من يرتكب الجريمة باسمها أيضًا.

*2ــ الأساس القانوني للتقاضي الدولي.:

    يستند الأساس القانوني للتقاضي الدولي إلى مجموعة من النصوص والاتفاقيات التي تنظّم ولاية القضاء الدولي وآليات اللجوء إليه. مثلما ورد ف نصوص الاتفاقيات الدولية (كإتفاقيات جنيف، ونظام روما الأساسي) التي تُنشئ آليات خاصة للمحاكمة. وتشترط لقبول الولاية القضائية يكون إمّا:

  ــ بموافقة مسبقة (Declaration of Jurisdiction

  ــ أو بقبول خاص لكل نزاع على حدة (حسب الإحالة)،

  ــ أو بإحالة من مجلس الأمن (تكليف أممي خاص لحالة محددة).

    كما نصّ ميثاق الأمم المتحدة في فصله الرابع عشر على أن محكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الرئيس للمنظمة، وتتمتع بولاية عامة للنظر في النزاعات القانونية بين الدول التي تقبل اختصاصها. كما أرست الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقيات جنيف المتعلقة بالقانون الإنساني الدولي ونظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، أسسًا خاصة لإنشاء محاكم متخصصة للنظر في الجرائم الدولية والأفعال المخالفة للقانون الدولي الإنساني.

    لذلك، يُعدّ قبول الولاية القضائية شرطًا جوهريًا في ممارسة هذه المحاكم لاختصاصها، بكلف رسميّ من مجلس الأمن، ويتم ذلك عبر ثلاث آليات رئيسة: إما بموافقة مسبقة تُعرف بـ Declaration of Jurisdiction، أو بقبول خاص لكل نزاع على حدة، أو من خلال إحالة مباشرة من مجلس الأمن الدولي بموجب صلاحياته في حفظ السلم والأمن الدوليين.

*3ــ محكمة العدل الدولية ICJ: دراسة مؤسسية قانونية:

   تُعدّ محكمة العدل الدولية (ICJ) The International Court of Justice، الجهاز القضائي الرئيس للأمم المتحدة، وقد أُنشئت سنة 1945 بموجب ميثاق سان فرانسيسكو لتكون الخلف القانوني لمحكمة العدل الدائمة التابعة لعصبة الأمم. وتتمثل مهمتها الأساسية في تسوية النزاعات القانونية بين الدول وفقًا لمبادئ القانون الدولي، ما يجعل اختصاصها مقصورًا على الدول كأطراف متقاضية دون أن يمتد إلى الأفراد أو المنظمات.

    تتكوّن المحكمة من خمسة عشر قاضيًا يُنتخبون لولاية مدتها تسع سنوات من قِبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن بشكل متزامن، على أن يُراعى في انتخابهم التمثيل الجغرافي والقانوني المتوازن. وتصدر المحكمة أحكامًا ملزمة للأطراف المتنازعة، إضافة إلى آراء استشارية تُقدَّم بطلب من أجهزة الأمم المتحدة أو وكالاتها المتخصصة، ما يمنحها دورًا مزدوجًا: قضائيًا وتشريعيًا تفسيريًا في آن واحد.

    ومن أبرز القضايا التي أرست فيها المحكمة مبادئ قانونية مهمة: قضية الجدار العازل في فلسطين (2004) التي أكدت فيها عدم مشروعية بناء الجدار استنادًا إلى القانون الدولي الإنساني، وقضية النزاع البحري بين الصومال وكينيا (2021) التي تناولت ترسيم الحدود البحرية في المحيط الهندي، وقضية لوكربي بين ليبيا وبريطانيا (1992) التي مثّلت اختبارًا حقيقيًا لعلاقة القضاء الدولي بالسياسة الدولية.

    وبذلك، تُجسّد محكمة العدل الدولية المرجعية العليا في النظام القضائي الأممي، وركيزة أساسية في مسار تسوية المنازعات بالوسائل السلمية وترسيخ مبدأ سيادة القانون الدولي.

*4ــ مقارنة تاريخ المحاكمات الدولية (ألماني، اليابان، يوغسلافيا السابقة، رواندا أنموذجا):

    تُمثّل المحاكمات الدولية التي أعقبت الحربين العالميتين محطات حاسمة في تطور مفهوم العدالة الدولية، إذ انتقل العالم من منطق الانتقام إلى منطق المساءلة القانونية. فقد شكّلت محكمتا نورمبرغ وطوكيو (1945–1948) أول تجسيد لفكرة أن القادة والأفراد يمكن أن يُحاكموا أمام المجتمع الدولي على أفعالهم، لا سيما تلك التي صنفت لاحقًا ضمن الجرائم ضد السلام والإنسانية. ورغم أن هاتين المحكمتين وُصفتا بـ«محاكم المنتصرين»، فإنهما أسستا لأول مرة لمبدأ المسؤولية الجنائية الفردية على المستوى الدولي، ووضعتا الأسس الأولى لتقنين الجرائم الدولية الكبرى.

    وفي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، أُنشئت محكمتان خاصتان بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي: الأولى ليوغسلافيا السابقة سنة 1993، والثانية لرواندا سنة 1994، استجابةً لجرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي هزّت الضمير الإنساني. وقد مثّلت هاتان المحكمتان نقلة نوعية، إذ كانتا أول محاكم جنائية دولية مؤسسية تُدار تحت إشراف الأمم المتحدة، وتُطبّق قواعد إجرائية واضحة تضمن استقلال القضاة وحقوق المتهمين.

    وبذلك، شكّلت هذه التجارب الأربع الجسر التاريخي والمؤسسي نحو إنشاء المحكمة الجنائية الدولية (ICC) عام 1998، التي جاءت لتُحوِّل العدالة من حالة استثنائية إلى نظام دائم، وتُكرّس مبدأ عدم الإفلات من العقاب كقاعدة عالمية لا تُستثنى منها حتى الدول الكبرى أو رموزها السياسية والعسكرية.

*5ــ المحكمة الجنائية الدولية ICC: التمييز بين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية:

    تُعدّ المحكمة الجنائية الدولية (ICC) The International Criminal Court، التي أُنشئت بموجب نظام روما الأساسي لعام 1998، أول محكمة دائمة تُخوَّل بملاحقة الأفراد عن أخطر الجرائم التي تمسّ السلم والأمن الدوليين، بصرف النظر عن مناصبهم أو جنسياتهم. وبهذا، شكّلت تحولًا جذريًا في الفكر القانوني الدولي، إذ نقلت المسؤولية من مستوى الدولة إلى مستوى الفرد، تعزيزًا لمبدأ أن العدالة لا تُمارس بالوكالة بل بالمحاسبة المباشرة.

    تختص المحكمة بأربع فئات من الجرائم الدولية الكبرى: الإبادة الجماعية (Genocide)، جرائم الحرب (War Crimes)، الجرائم ضد الإنسانية (Crimes Against Humanity)، وجريمة العدوان (Crime of Aggression). ويقوم التمييز بين هذه الجرائم على طبيعة الفعل وسياقه القانوني؛ فـجرائم الحرب تُرتكب في سياق نزاع مسلح، وتشمل الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني مثل قتل الأسرى أو استهداف المدنيين أو استخدام الأسلحة المحظورة. أما الجرائم ضد الإنسانية فتتسم بكونها هجمات واسعة النطاق أو منهجية تُوجَّه ضد السكان المدنيين، ويمكن أن تقع حتى في غياب نزاع مسلح، مثل الاضطهاد والتعذيب والتهجير القسري.

    وبذلك، تمثل المحكمة الجنائية الدولية الذروة المؤسسية لمسار العدالة الجنائية الدولية، إذ تسعى إلى إرساء مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وترسيخ ثقافة المساءلة الفردية بوصفها أساس العدالة الكونية، رغم ما يواجهها من تحديات سياسية تتعلق بحدود ولايتها وتفاوت انضمام الدول إلى نظامها الأساسي.

*6ــ المحاكم التجارية ومشكلة عدم الانضمام لمنظمة التجارة العالمية OMC/WTO:

    أصبحت المحاكم التجارية الدولية أحد المكوّنات الرئيسة في بنية النظام القضائي للعولمة الاقتصادية، إذ تُعنى بحلّ النزاعات التي تنشأ عن التبادلات والاستثمارات العابرة للحدود، وتعمل على ضمان تطبيق مبادئ الشفافية، والإنصاف، وحماية العقود الدولية. ومع توسّع التجارة العالمية، برزت منظمة التجارة العالمية (WTO) كإطار مؤسسي ينظّم العلاقات الاقتصادية بين الدول من خلال هيئة تسوية المنازعات التجارية، التي تمثّل آلية قضائية دولية لحماية الالتزامات التجارية المتبادلة.

    غير أنّ الدول غير الأعضاء في منظمة التجارة العالمية تواجه تحدّيات قانونية واقتصادية معقّدة، أبرزها ضعف الحماية القانونية في حال نشوء نزاعات تجارية مع شركاء أعضاء في المنظمة، إضافة إلى عدم قدرتها على اللجوء إلى جهاز تسوية المنازعات الذي يُعدّ الأداة الرئيسة لضمان تنفيذ الاتفاقيات التجارية الدولية. ونتيجة لذلك، اتجهت هذه الدول إلى آليات بديلة لتسوية النزاعات مثل التحكيم التجاري الدولي عبر مؤسسات كـ مركز تسوية منازعات الاستثمار (ICSID) التابع للبنك الدولي ولجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (UNCITRAL)، وهي مؤسسات تسهم في سدّ الفراغ القضائي الدولي الناتج عن عدم العضوية في المنظمة، لكنها تظل محدودة من حيث الشمول والشرعية مقارنة بالنظام القضائي للتجارة العالمية.

 

*ــ الخاتمة:

    قطعت المنظومة القضائية للأمم وفضّ المنازعات الدولية شوطًا طويلًا في بناء مؤسسات قانونية تُعلي من شأن العدالة على حساب منطق القوة، غير أنّ هذا المسار لا يزال محفوفًا بالتحديات البنيوية والسياسية التي تحدّ من فعاليته. فبينما تُجسّد محكمة العدل الدولية (ICJ) نموذجًا للعدالة بين الدول، وتعكس المحكمة الجنائية الدولية (ICC) الطموح الإنساني نحو محاسبة الأفراد عن الجرائم الكبرى، يبقى تطبيق أحكامهما رهينًا بإرادة الدول والتوازنات الجيوسياسية التي تحكم النظام الدولي.

    أثبتت التجربة التاريخية، من نورمبرغ وطوكيو إلى رواندا ويوغسلافيا السابقة، أنّ العدالة الدولية ليست مجرد أداة قانونية، بل هي عملية تراكمية لتقنين الضمير الإنساني وإضفاء طابع مؤسسي على مبدأ عدم الإفلات من العقاب. ومع ذلك، ما تزال الحاجة ملحّة إلى تطوير آليات تنفيذ أكثر فاعلية، وإلى تحييد القضاء الدولي عن النفوذ السياسي، حتى لا تتحوّل العدالة إلى أداة انتقائية في يد الأقوياء.

    أما في المجال الاقتصادي، فإنّ المحاكم التجارية الدولية ومؤسسات التحكيم تمثّل الوجه الآخر للعولمة القانونية، لكنها تظل ناقصة الفعالية في ظل عدم انضمام بعض الدول إلى منظمة التجارة العالمية (WTO)، وهو ما يكرّس فجوة قانونية بين من يملكون حق التقاضي في النظام التجاري العالمي ومن يُستثنون منه.

***********************

 

*ــ مراجع المحاضرة للاطلاع:

1– Pavel Struma, The Rome Statute of The ICC at its Twentieth Anniversary Achievements and Perspectives (New York: BRILL Press, 2019).

2– Patricia Schneider, Mayeul Hiéramente, The Defence in International Criminal Trials: Observations on the Role of the Defence at the ICTY, ICTR and ICC (Berlin: Nomos Verlagsgesellschaft Mbh & Co Publs., 2016).

3ــ Sandra McCord, James McCord, Criminal Law and Procedure for The Paralegal: A Systems Approach (New York: Delmar Cengage Learning, 2006).

4ــ Christopher Rudolph, Power and Principle: The Politics of International Criminal Courts (New York:  Cornell University Press, 2017).

5ــ Victor Tsilonis Tsanta, The Jurisdiction of The International Criminal Court (Cham-Switzerland: Springer International Publishing, 2019).

 

 

 ********************************

 

المحاضرة التاسعة:                                                  الثلاثاء: 24/11/2025

 

تنظيم العلاقات التجارية الدولية في OMC/WTO

Regulating International Trade Relations within the WTO:

نظام التصويت والتحكيم وفض المنازعات

Voting System, Arbitration, and Dispute Settlement

 

*ــ مقدمة.

*1ــ تطور العلاقات التجارية الدولية وتأسيس منظمة الغات GATT.

*2ــ ماهية المنظمة العالمية للتجارة WTO/OMC.

*3ـــ نظام التصويت والتحكيم وفض المنازعات في منظمة التجارة العالمية

*4ــ أزمات النظام التجاري متعدد الأطراف وإشكالية التوازن بين الشمال والجنوب

*5ــ مشكلة الحمائية الجديدة ومبررات إعادة فرض التعرفة الجمركية ضد السوق الحرة.

*ــ الخاتمة.

*****************************************

*ــ مقدمة.

    شهد العالم منذ منتصف القرن العشرين تحولات عميقة في تنظيم العلاقات الاقتصادية الدولية، خصوصًا في مجال التجارة. فبعد عقود من الحروب الاقتصادية والتنافس الحمائي، برزت الحاجة إلى إنشاء نظام تجاري عالمي قائم على قواعد واضحة وملزمة، يهدف إلى تحرير المبادلات التجارية وتحقيق النمو المشترك. غير أن هذا النظام، رغم نجاحه النسبي، أثار جدلاً واسعًا حول مدى عدالته وحياده، إذ تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى مع طموحات الدول النامية في التنمية.

    كما أصبحت الملكية الفكرية إحدى القضايا المركزية في النظام التجاري الدولي، لأنها لم تعد مجرد مسألة قانونية بل تحولت إلى أداة استراتيجية للهيمنة الاقتصادية. فبراءة الاختراع لم تعد فقط وسيلة لحماية الابتكار، بل أصبحت آلية لضبط تدفق التكنولوجيا والتحكم في المعرفة، خصوصًا من طرف الشركات متعددة الجنسيات والدول الصناعية الكبرى. وتُطرح الإشكالية الجوهرية اليوم حول: من يملك الحق في تسجيل الاختراع؟ وهل تُمثل براءات الاختراع حماية للمبدع الحقيقي أم احتكارًا للثروة الفكرية العالمية؟

     ففي ظل اتفاق تريبس (TRIPS) ضمن منظمة التجارة العالمية، أصبحت عملية تسجيل الملكية الفكرية خاضعة لمعايير موحدة تفرضها الدول المتقدمة، مما خلق فجوة قانونية واقتصادية بين الشمال والجنوب. الدول النامية تجد نفسها أمام معادلة صعبة: فهي مطالَبة باحترام القوانين الدولية لحماية الابتكار، لكنها في الوقت نفسه تُحرم من حرية الوصول إلى التقنيات الحديثة والابتكارات الطبية الضرورية لتنميتها.

    ومن هنا تبرز الإشكالية المركزية:

هل تمثل منظمة التجارة العالمية أداة لتحقيق توازن في العلاقات التجارية الدولية، أم آلية لإعادة إنتاج التبعية الاقتصادية في ظل العولمة؟

*1ــ تطور العلاقات التجارية الدولية وتأسيس منظمة الغات GATT:

    تعود جذور التنظيم التجاري العالمي إلى اتفاقية "الجات" General Agreement on Tariffs and Trade (GATT) التي وُقعت سنة 1947 كإطار مؤقت لتنظيم المبادلات التجارية بعد الحرب العالمية الثانية، في غياب "منظمة التجارة الدولية" التي لم تُنشأ بسبب الرفض الأمريكي آنذاك. ركزت الجات على مبادئ أساسية مثل مبدأ الدولة الأولى بالرعاية (MFN) الذي يمنع التمييز بين الشركاء التجاريين، ومبدأ المعاملة الوطنية الذي يضمن معاملة السلع الأجنبية معاملة السلع المحلية. وقد شهدت الجات ثماني جولات من المفاوضات، أهمها جولة "أوروغواي" (1986–1994) التي انتهت بتأسيس منظمة التجارة العالمية سنة 1995، إيذانًا بانتقال النظام التجاري من الطابع الاتفاقي إلى الطابع المؤسسي والقانوني.

    ومع نهاية الثمانينيات، توسعت مفاوضات الجات لتشمل قضايا جديدة تجاوزت السلع التقليدية إلى الملكية الفكرية، بعد أن أصبحت المعرفة والابتكار من أهم موارد الاقتصاد العالمي. وقد أدّى ضغط الدول الصناعية الكبرى إلى إدراج هذا الموضوع ضمن النظام التجاري، ما نتج عنه اتفاق «تريبس – TRIPS» (Trade-Related Aspects of Intellectual Property Rights) الذي أصبح أحد الركائز الأساسية لمنظمة التجارة العالمية.

    يهدف اتفاق تريبس إلى توحيد معايير حماية براءات الاختراع والعلامات التجارية وحقوق المؤلف، ويُلزم الدول الأعضاء بإقامة تشريعات وطنية تحمي الملكية الفكرية. غير أن هذا التوسع أثار جدلاً واسعًا بين الشمال والجنوب، إذ ترى الدول النامية أن إدخال الملكية الفكرية في النظام التجاري يمثل شكلا من الهيمنة الاقتصادية، لأنه يفرض حماية صارمة لبراءات الشركات متعددة الجنسيات، خصوصًا في مجالات الأدوية والتكنولوجيا، على حساب حق التنمية ونقل المعرفة. 

*2ــ ماهية المنظمة العالمية للتجارة WTO/OMC:

    تُعد منظمة التجارة العالمية الوريث الشرعي لاتفاقية الجات، وجاءت نتيجة لتوسيع نطاق التنظيم التجاري ليشمل مجالات جديدة كالتجارة في الخدمات (GATS)، والملكية الفكرية (TRIPS)، والاستثمار. وتقوم المنظمة على ثلاثة أركان رئيسية: التحرير التجاري، والتسوية السلمية للمنازعات، والمراجعة الدورية للسياسات التجارية.

    رغم الدور الريادي الذي أدّته اتفاقية الغات (GATT) منذ عام 1947 في تحرير التجارة الدولية وتقليص الحواجز الجمركية، فإنها ظلت محدودة من حيث الإطار المؤسسي والوظيفي، إذ كانت اتفاقية مؤقتة لا تمتلك جهازًا دائمًا أو سلطة تنفيذية قوية.

    ومع توسع التبادل التجاري وتعقّد طبيعة العلاقات الاقتصادية، ظهرت عدة نقائص بنيوية في نظام الغات، يمكن تلخيص أسبابها في:

 ــ العجز المؤسسي: لم تكن الغات منظمة دولية بالمعنى الكامل، بل مجرد إطار تفاوضي يعتمد على جولات متتابعة (مثل جولة طوكيو وجولة أوروغواي)، دون جهاز قضائي ملزم أو سكرتارية دائمة تُشرف على تنفيذ الاتفاقات.

 ــ ضعف آليات فض النزاعات: كانت قرارات التسوية في إطار الغات تُتخذ بالتوافق، مما أتاح للدول المتضررة عرقلة التنفيذ وترك العديد من النزاعات دون حلّ فعلي، وهو ما حدّ من مصداقية النظام التجاري.

 ــ توسّع نطاق التجارة: مع ظهور قطاعات جديدة مثل الخدمات المالية، النقل، الاتصالات، والتجارة الإلكترونية، لم تعد الغات قادرة على استيعاب التطورات الاقتصادية الحديثة، لأنها كانت تركز أساسًا على السلع والبضائع.

 ــ بروز قضية الملكية الفكرية: الضغط المتزايد من الدول الصناعية لحماية التكنولوجيا والاختراعات والمنتجات الثقافية (الأدوية، البرمجيات، العلامات التجارية) كشف عن ضرورة إرساء نظام دولي متكامل يشمل هذه المجالات الجديدة.

    وبناءً على هذه التحولات، جاءت اتفاقية مراكش لسنة 1994 لتُعلن ميلاد منظمة التجارة العالمية World Trade Organization (WTO) / Organisation Mondiale du Commerce (OMC) كإطار مؤسسي شامل يحلّ محل الغات، ويُدخل التجارة العالمية في مرحلة جديدة من التنظيم القانوني والرقابة المتعددة الأطراف. وهكذا، تحولت الغات من نظام تفاوضي مرن إلى نظام قضائي وتنظيمي متكامل يقوم على مبدأ الالتزام المتبادل وسيادة القانون التجاري الدولي.

    يتكوّن هيكل منظمة OMC/WTO من المؤتمر الوزاري، وهو أعلى هيئة تتخذ القرارات، والمجلس العام الذي يمثل جميع الأعضاء ويشرف على الأجهزة المتخصصة، إضافة إلى جهاز تسوية المنازعات الذي يُعد من أهم ابتكارات المنظمة. ويبلغ عدد الأعضاء اليوم أكثر من 160 دولة، ما يجعل المنظمة فضاءً كونيًا لتنظيم التجارة العالمية.

 

*3ـــ نظام التصويت والتحكيم وفض المنازعات في منظمة التجارة العالمية:

     تعمل المنظمة وفق مبدأ الإجماع في اتخاذ القرارات الكبرى، غير أن نظام التصويت بالأغلبية البسيطة يُستخدم في بعض الحالات التقنية. وقد أُنشئ جهاز تسوية المنازعات (DSB) كآلية قانونية متطورة لفض النزاعات بين الأعضاء. تبدأ العملية بمشاورات ثنائية، ثم بتشكيل هيئة خبراء لإصدار تقرير يمكن استئنافه أمام هيئة الاستئناف. هذا النظام ساهم في تعزيز الثقة بالقواعد التجارية العالمية، حيث عُرفت قضايا شهيرة مثل (قضية الموز) بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا اللاتينية، أو (قضية الطائرات) بين إيرباص وبوينغ أو (قضية توظيف عمالة الأطفال في قطاع الحرير) في الخلاف بين أمريكا والصين. وقد ساهم هذا النظام في تعزيز ثقة الدول الأعضاء بالمنظمة، وأعطى الطابع القضائي الدولي بُعدًا عمليًا في ميدان التجارة، حتى اعتُبر "محكمة العدل الاقتصادية العالمية" من حيث الفعالية والإلزام.

    يُعدّ نظام التصويت وآلية فضّ النزاعات من الركائز الأساسية التي تُميز منظمة التجارة العالمية عن سابقتها الغات، إذ إنهما يجسّدان الطابع القانوني والمؤسسي الجديد للنظام التجاري متعدد الأطراف. تعتمد المنظمة مبدأ الديمقراطية التجارية في اتخاذ القرارات، ويقوم نظام التصويت على قاعدة (صوت واحد لكل دولة عضو)، دون تمييز بين الدول المتقدمة أو النامية. ورغم أنّ أغلب القرارات تُتخذ بالتوافق (Consensus) دون اللجوء إلى التصويت الرسمي، إلا أنّ هذه الآلية تعكس روح التشاور والبحث عن حلول توافقية، وتُعدّ أحد أسباب استقرار المنظمة. غير أنّ اعتماد التوافق يجعل عملية اتخاذ القرار بطيئة أحيانًا، خاصةً في القضايا الحساسة كالدعم الزراعي أو حماية الملكية الفكرية.

    أما في مجال فضّ المنازعات التجارية، فقد طوّرت المنظمة آلية مؤسسية متكاملة تُعدّ من أكثر أجهزة التسوية فعالية في النظام الدولي المعاصر، وهي جهاز تسوية المنازعات (Dispute Settlement Body – DSB). يتكوّن هذا الجهاز من هيئة تحكيمية وهيئة استئناف تعملان ضمن إطار قانوني محدد بموجب "تفاهم تسوية المنازعات" (DSU – Dispute Settlement Understanding). وتُقدَّم القضايا عادةً من دولة عضو ضد أخرى تتهمها بانتهاك أحد اتفاقات المنظمة، وتُمرّ الإجراءات بعدة مراحل تشمل التشاور، تشكيل لجنة خبراء (Panel)، صدور التقرير، ثم إمكانية الاستئناف. تتميّز هذه الآلية بكونها ملزمة التنفيذ؛ إذ يُشرف جهاز تسوية المنازعات على متابعة تطبيق القرارات، ويمنح المتضرّر الحق في فرض تدابير انتقامية مشروعة إذا لم تلتزم الدولة المدانة بتصحيح وضعها التجاري.

    ومع ذلك، تواجه هذه الآلية اليوم تحديات كبيرة، أهمها شلل هيئة الاستئناف منذ 2019 بسبب اعتراض الولايات المتحدة على تعيين القضاة الجدد، ما أدى إلى أزمة مؤسسية تهدّد استمرارية أحد أهم أعمدة النظام التجاري الدولي القائم على القانون.

 

*4ــ أزمات النظام التجاري متعدد الأطراف وإشكالية التوازن بين الشمال والجنوب:

    رغم نجاح المنظمة في تقليص النزاعات التجارية، إلا أنها تواجه منذ مطلع القرن الحادي والعشرين أزمات هيكلية عميقة. فقد شُلّ جهاز الاستئناف منذ عام 2019 بسبب رفض الولايات المتحدة تعيين قضاة جدد، وهو ما قوض مصداقية آلية تسوية المنازعات. كما برزت تكتلات اقتصادية كبرى مثل بريكس واتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP) كبدائل محتملة عن النظام متعدد الأطراف. وتزداد الانتقادات الموجهة إلى المنظمة من قبل الدول النامية التي ترى أن قواعدها تخدم مصالح الشمال الصناعي أكثر مما تخدم التنمية في الجنوب، مما يجعل مبدأ “العدالة التجارية” موضع تساؤل مستمر.

    ورغم الطابع الشمولي لمنظمة التجارة العالمية وسعيها المعلن لتحقيق العدالة في النظام التجاري الدولي، فإن الدول النامية ما زالت تواجه مجموعة من التحديات البنيوية التي تعيق استفادتها الحقيقية من قواعد التجارة الحرة. تتمثل أولى هذه الإشكالات في عدم التكافؤ الهيكلي بين الاقتصادات، إذ إن معظم الدول النامية تعتمد على صادرات المواد الأولية والمنتجات الزراعية منخفضة القيمة المضافة، في حين تهيمن الدول المتقدمة على الصناعات عالية التقنية والخدمات المالية، ما يؤدي إلى خلل مزمن في شروط التبادل الدولي (Terms of Trade).

 

    ثانيًا، تعاني هذه الدول من صعوبة النفاذ إلى الأسواق المتقدمة، بسبب استمرار السياسات الحمائية المقنّعة مثل الدعم الزراعي في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والقيود الفنية ومعايير السلامة التي تُستخدم كأدوات غير جمركية لتقييد الصادرات القادمة من الجنوب العالمي. ورغم التزامات منظمة التجارة بالحد من هذه الإجراءات، فإن تطبيقها يظل انتقائيًا وغير متكافئ.

    ثالثًا، تُواجه الدول النامية صعوبات في تطبيق اتفاقية "تريبس" (TRIPS) الخاصة بحقوق الملكية الفكرية، إذ تُلزمها بحماية صارمة لبراءات الاختراع، خصوصًا في مجالات الأدوية والتكنولوجيا، ما يُقيد قدرتها على نقل المعرفة وإنتاج الأدوية الجنيسة، ويعمّق تبعيتها التقنية والاقتصادية للدول المتقدمة.

      

*5ــ مشكلة الحمائية الجديدة ومبررات إعادة فرض التعرفة الجمركية ضد السوق الحرة:

    تواجه منظمة التجارة العالمية اليوم تحديًا جديدًا يتمثل في عودة الحمائية الاقتصادية تحت مبررات متعددة: حماية الصناعات الوطنية، الأمن القومي، أو الاستدامة البيئية. وقد عمّقت أنانية الحكومات بسبب جائحة كوفيد-19 هذه النزعة، مع ميل الدول الكبرى إلى إعادة سلاسل الإنتاج إلى الداخل. كما تصاعد التوتر التجاري بين الولايات المتحدة والصين، مما أدى إلى فرض رسوم جمركية متبادلة تتنافى مع مبادئ السوق الحرة. هكذا تتجدد المفارقة، فالنظام الذي صُمم لتحرير التجارة أصبح يواجه موجة عالمية من القيود، ما يثير التساؤل حول مستقبل النيوليبرالية التجارية في عالم متعدد الأقطاب.

    فمنذ الأزمة المالية العالمية لعام 2008، ثم جائحة كوفيد-19، شهد الاقتصاد الدولي عودة متزايدة لما يُعرف بـ "الحمائية الجديدة" (Neo-protectionism)، أي إعادة استخدام أدوات التعرفة الجمركية والقيود غير التعريفية بعد عقود من الدعوة إلى حرية الأسواق. هذه الظاهرة تمثل أحد أبرز التحديات أمام منظمة التجارة العالمية، التي قامت أساسًا على مبدأ إزالة الحواجز التجارية وتشجيع الانفتاح الاقتصادي.

    وتبرر الدول الكبرى، خصوصًا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، عودتها إلى فرض الرسوم الجمركية بحجج متعددة، أهمها: (حماية الأمن القومي والاقتصادي مثل رسوم على واردات التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية أو الفولاذ تحت مبرر الأمن الصناعي للدولة، مواجهة المنافسة غير العادلة ونظام الأسعار المتفاوت، الانتقال البيئي والحمائية الخضراء الذي يفرض تعريفات أو قيود على الواردات التي لا تراعي المعايير البيئية، عمالة الأطفال والنساء أو سرقة براءات الاختراع والتعدي على الملكية الفكرية).

 

*ــ الخاتمة:

    يتضح أن منظمة التجارة العالمية تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تنخرط في إصلاحات عميقة تعيد التوازن بين حرية السوق والعدالة الاقتصادية، أو أن تفقد دورها لصالح التكتلات الإقليمية والاتفاقيات الثنائية. إن تنظيم العلاقات التجارية الدولية لم يعد مسألة اقتصادية فحسب، بل أصبح مسألة سياسية تمس جوهر السيادة الوطنية ومفهوم العدالة في العولمة.

    على الرغم من وجاهة المبررات حول ممارسة الحمائية الاقتصادية، إلاّ أنّ إجراءات الحمائية تتناقض مع المبادئ المؤسسة لمنظمة التجارة العالمية، لأنها تعيد منطق المصالح الوطنية الضيقة وتضعف مبدأ التعددية الاقتصادية. وهكذا، يجد النظام التجاري الدولي نفسه اليوم أمام معضلة مزدوجة: كيف يوازن بين الانفتاح والحمائية، بين السوق الحرة والسيادة الاقتصادية؟

***********************

 

*ــ مراجع المحاضرة للاطلاع:

1– Mohan Kumar, Negotiation Dynamics of The WTO (Singapore: Palgrave Macmillan Publs., 2018).

2– Alberto do Almaral Junior, Luciana Mria, The WTO Dispute Settlement Mechanism: A Developing Country Perspective (Cham-Switzerland: Springer N. Publs., 2019).

3ــ Krishen Koul, Guide to The WTO and GATT: Economics, Law, and Politics (Singapor: Springer N. Publs., 2018).

4ــ Hopewell Kristen, Breaking The WTO: How Emerging Powers Disrupted The Neoliberal Project (Stanford:  Stanford University Press, 2016).

5ــ Felicia A. Grey, States an Non-Participatory Memberships in The WTO (Cham-Switzerland: Springer International Publishing, 2019).

 

 

 

 

 

 

 *******************************

 

 

 

 

 

الجزء الرابع للمحاضرات

 

المحاضرة الـ 10:

الفواعل غير الدولتانية The Non-state actors: دراسة لحركات التحرر الوطني والشركات الدولية متعددة الجنسيات أنموذجا.

 

المحاضرة الـ 11:

المنظمات غير الحكومية.. The Non-Governmental Organizations: برنامج عمل المجتمع الدولي والعالمي.

 

المحاضرة الـ 12:

العقوبات الدولية وأدوات فضّ النزاعات بالطرق السلمية: دراسة لنماذج العقوبات في القانون الدولي.

المحاضرة الـ 13:

حوكمة وإصلاح هيئة الأمم المتحدة: مقتضيات معالجة أسباب إخفاقات المجتمع الدولي

 

 

 

 

 

 

 ********************************

 

المحاضرة الـ 10:                                                      الثلاثاء: 24/11/2025

 

الفواعل غير الدولتانية The Non-state actors

دراسة لحركات التحرر الوطني والشركات الدولية متعددة الجنسيات أنموذجا

A study of national liberation movements and multinational

corporations as examples

*ــ مقدمة.

*1ــ ماهية الفواعل (غير الدول) وأدوارها.

*2ــ ماهية حركات التحرّر الوطني ومعايير تصنيفها القانوني.

*3ــ الشركات الكبرى متعددة الجنسيات ومسؤوليتها الدولية.

*4ــ الدول ذات الطابع القانوني الخاص (الفاتيكان، موناكو، فرسان مالطا أنموذجا)

*ــ الخاتمة.

*****************************************

*ــ مقدمة.

    شهد النظام الدولي خلال العقود الأخيرة تحوّلاً جذريًا في طبيعة الفاعلين الذين يؤثرون في توازن القوى والعلاقات بين الدول. فبينما كانت الدولة هي الفاعل المركزي الوحيد في العلاقات الدولية منذ معاهدة وستفاليا عام 1648، فإن نهاية الحرب الباردة وبروز العولمة قد أفرزا مشهدًا جديدًا اتسعت فيه دائرة التأثير لتشمل فواعل غير دولتية — مثل الشركات متعددة الجنسيات، والمنظمات غير الحكومية، وحركات التحرر الوطني، والمنظمات الإرهابية العابرة للحدود، بل وحتى الأفراد والمؤثرين في الفضاء الرقمي.

    أثار هذا التحوّل البنيوي في النظام الدولي سؤالًا جوهريًا حول مفهوم السيادة: هل ما زالت الدولة تحتكر القرار والشرعية في المجال الدولي؟ أم أن السلطة أصبحت موزّعة بين أطراف متعددة تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية؟

   و ما طبيعة الأدوار التي تؤديها الفواعل غير الدولتية، وما حدود تأثيرها في بنية النظام الدولي، في ضوء التباين بين حركات التحرر الوطني ذات البعد السياسي–القيمي، والشركات متعددة الجنسيات ذات البعد الاقتصادي–العولمي؟.

 

*1ــ ماهية الفواعل (غير الدول) وأدوارها:

 The Nature and Roles of Non-State Actors

    يُقصد بالفواعل غير الدولتية كل الكيانات التي تمارس نشاطًا مؤثرًا في العلاقات الدولية دون أن تكون دولة ذات سيادة أو كيان حكومي. وهي تشمل طيفًا واسعًا من التنظيمات — سياسية، اقتصادية، دينية، إعلامية، رقمية — تشترك في كونها تتجاوز الحدود الوطنية وتمارس سلطة فعلية، مادية أو رمزية.

    من الناحية النظرية، يُعدّ صعود هذه الفواعل نتيجة مباشرة لأزمة الدولة القومية الحديثة، حيث فقدت هذه الأخيرة احتكارها لوسائل القوة والمعلومة والتأثير. فالتكنولوجيا والاتصال الرقمي جعلا من الممكن أن يمتلك الفاعل غير الدولتي أدوات ضغط تعادل أو تفوق أحيانًا قدرات بعض الدول، كما نرى في نفوذ شركات مثل Meta وGoogle وBlackRock.

    أما في الحقل السياسي، فقد ظهرت منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش التي تؤثر في السياسات العامة عبر الضغط الإعلامي والحقوقي، بينما تمارس التنظيمات المسلحة غير الدولتية (كحزب الله، طالبان، داعش...) أدوارًا تتراوح بين المقاومة والتحكم الميداني في الأراضي. فلم يعد الفاعل غير الدولتي مجرد تابع أو وكيل، بل أصبح عنصرًا بنيويًا في العلاقات الدولية الحديثة، يُسهم في صنع السياسات، وصياغة الخطاب الدولي، وحتى في تشكيل القانون العرفي الدولي الجديد. ومن الجدير ذكر أنّ الفواعل اليت لا تشبه الدولة، تسمى الفواعل اللاتماثلية واللاتناظرية Asymmetric Actors.

 

*2ــ ماهية حركات التحرّر الوطني ومعايير تصنيفها القانوني:

National Liberation Movements and Their Legal Classification

    تُعد حركات التحرر الوطني أحد أقدم أشكال الفواعل غير الدولتية ذات الطابع السياسي. فهي تمثل تعبيرًا جماعيًا عن الشعوب التي تناضل ضد الاحتلال أو السيطرة الأجنبية من أجل ممارسة حقها في تقرير المصير. وقد اعترف ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة بشرعية هذا الحق، خصوصًا القرارين 1514 و2625 اللذين اعتبرا الاستعمار نقيضًا للحرية والسيادة.

    لكن الإشكالية القانونية تكمن في تحديد الوضع الدولي لهذه الحركات: هل هي فاعل شرعي أم مجرد حركة تمرد؟ القانون الدولي الإنساني، لاسيما البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، حاول معالجة هذا الغموض من خلال منح بعض الحركات المسلحة — إذا توافرت فيها شروط معينة مثل السيطرة على الإقليم واحترام قوانين الحرب — صفة "طرف في نزاع مسلح دولي".

     أمثلة ذلك تشمل المؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا، وجبهة البوليساريو في الصحراء الغربية، ومنظمة التحرير الفلسطينية التي حظيت بصفة مراقب في الأمم المتحدة.

تكمن أهمية هذه الحركات في أنها تفتح نقاشًا فلسفيًا حول مفهوم الشرعية الدولية: هل تستند إلى الدولة، أم إلى إرادة الشعوب؟ وهنا يظهر التناقض بين القوة القانونية والسياسية، وبين العدالة التاريخية والمصلحة الواقعية.

 

*3ــ الشركات الكبرى متعددة الجنسيات ومسؤوليتها الدولية:

Multinational Corporations and Their International Responsibility

    الشركات متعددة الجنسيات تمثل الفاعل الاقتصادي الأبرز في عالم ما بعد الدولة القومية. فهي تسيطر على أكثر من ثلث التجارة العالمية وتملك موارد مالية تفوق ميزانيات العديد من الدول. هذه الشركات — مثل Apple، ExxonMobil، Shell، Nestlé — أصبحت صانعة للقواعد الاقتصادية الدولية أكثر من كونها خاضعة لها.

    تطرح هذه القوة الاقتصادية المتنامية إشكالية المساءلة والمسؤولية الدولية، خاصة عندما تنتهك الشركات حقوق الإنسان أو تساهم في تدمير البيئة أو دعم النزاعات المسلحة بشكل غير مباشر. فرغم أن القانون الدولي صُمم أصلاً لتنظيم سلوك الدول، إلا أن الحاجة أصبحت ملحّة اليوم لتوسيع نطاقه ليشمل هذه الكيانات.

في هذا السياق، ظهرت مبادرات مثل "الميثاق العالمي للأمم المتحدة" (UN Global Compact) الذي يدعو الشركات إلى احترام المبادئ العشرة في مجالات حقوق الإنسان والعمل والبيئة ومكافحة الفساد. ومع ذلك، لا تزال الفجوة القانونية قائمة بين الطابع الدولي لنشاط هذه الشركات والطابع الوطني للمساءلة عنها، مما يجعلها في كثير من الأحيان فوق القانون أو على الأقل خارج نطاقه الفعلي.

 

*4ــ الدول ذات الطابع القانوني الخاص States with Special Legal Status

 (الفاتيكان، موناكو، فرسان مالطا أنموذجا):

    إلى جانب الفواعل غير الدولتية، توجد كيانات تُعدّ دولًا ولكنها تمتلك وضعًا قانونيًا خاصًا يضعها على تخوم الدولة والمنظمة، مثل دولة الفاتيكان وموناكو وفرسان مالطا.

الفاتيكان، مثلًا، يتمتع بالشخصية الدولية الكاملة رغم مساحته الصغيرة وعدد سكانه المحدود، ويشارك في العلاقات الدبلوماسية بوصفه كيانًا دينيًا وسياسيًا في آن واحد. أما "فرسان مالطا" فهي منظمة كاثوليكية ذات اعتراف دبلوماسي لدى أكثر من مئة دولة، وتتمتع بمكانة فريدة بين الدولة والمنظمة الإنسانية. تثير هذه الكيانات نقاشًا حول مرونة مفهوم السيادة في القانون الدولي، وكيف يمكن لكيانات صغيرة أو رمزية أن تمتلك نفوذًا يتجاوز مساحتها المادية، خصوصًا عبر الشرعية الدينية أو التاريخية أو الإنسانية.

    يمكن دراسة النماذج الثلاث بدقة كما يلي:

    الفاتيكان دولة ذات سيادة صغيرة، مقره روما، تأسست رسمياً عام 1929 بموجب معاهدة لاتران بين إيطاليا والكرسي الرسولي. يتميز الفاتيكان بطبيعة قانونية فريدة، حيث تمثل الكرسي الرسولي الشخصية القانونية الدولية المستقلة، وهي الكيان الوحيد الذي يمارس العلاقات الدبلوماسية باسم الفاتيكان. الدولة نفسها صغيرة المساحة، وتتركز فيها الإدارة الكنسية العليا، مثل البابوية والأجهزة الروحية الأخرى. يختلف الفاتيكان  عن الدول التقليدية بعدم امتلاكه جيشاً نظامياً قائلاً، ويعتمد في حمايته على الحرس السويسري البابوي. دوره الدولي يتمحور حول الدبلوماسية الروحية والسياسية، ما يجعله فاعلاً دولياً غير تقليدي، يوازن بين السيادة القانونية وحجم الدولة الفعلي الصغير.

    أما موناكو فهي إمارة ذات سيادة تقع على الساحل الفرنسي للبحر الأبيض المتوسط، وتتميز بطبيعة خاصة بين الدول الصغيرة. هي دولة ملكية وراثية، لكنها تعتمد في الكثير من السياسات الخارجية والاقتصادية على فرنسا عبر اتفاقيات ثنائية تضمن استمرار استقلالها الجزئي. تمارس موناكو العلاقات الدبلوماسية كدولة ذات سيادة كاملة، وتمتلك استقلالية في التشريع الداخلي، خصوصاً في مجالات الاقتصاد والضرائب. يعتمد اقتصادها بشكل رئيسي على الخدمات المالية والسياحة، وتعتبر قوانينها الضريبية المميزة من أبرز سماتها الخاصة، ما يمنحها مكانة استراتيجية رغم صغر حجمها.

    أما دولة فرسان مالطا فهي كيان دولي ذو سيادة غير إقليمي (بدون أرض)، أي أنه ليس دولة تقليدية ذات حدود جغرافية واضحة، لكنه يمتلك شخصية قانونية دولية معترف بها. تاريخياً، كان فرسان مالطا دولة صليبية ذات جيش وأراضٍ، لكنها فقدت معظم أراضيها في القرون التالية، وحافظت على صفتها السيادية عبر أنشطتها الإنسانية والدبلوماسية. ويملك فرسان مالطا القدرة على توقيع الاتفاقيات الدولية وإرسال واستقبال السفراء، ويمارس نشاطه بشكل رئيسي في المجال الطبي والإغاثي. تظل هذه الطبيعة الخاصة تجعل منه فاعلاً دولياً ذا وضع استثنائي، يجمع بين السيادة القانونية والوظيفة الإنسانية دون أن يكون دولة بالمعنى التقليدي.

 

*ــ الخاتمة:

    إن تطور الفواعل غير الدولتية يعكس تحوّلًا بنيويًا في النظام الدولي من المركزية الدولتية إلى التعددية الفاعلة. فلم يعد النظام العالمي قائمًا على الدول وحدها، بل على شبكة متداخلة من القوى (اقتصادية، فكرية، إعلامية، روحية)، تتجاوز الحدود والسيادات. لكن هذا التحول يثير أيضًا تحديات جديدة: كيف يمكن ضمان الشرعية والمساءلة في عالم لا يحتكر فيه أحد القوة؟ وهل يمكن للقانون الدولي أن يتكيّف مع فواعل لا تنتمي إلى منطق الدولة؟ ربما نعيش اليوم مرحلة ما بعد وستفاليا، حيث أصبحنا أمام "نظام دولي بلا دول"، أو على الأقل أمام دول بلا احتكار للسلطة.

***********************

*ــ مراجع المحاضرة للاطلاع:

1– Karen Brutents, National Liberation Revolutions Today: Some Questions of Theory . Pat 1 (Moscow: Progress Publishers, 1977).

2– Redie Bereketeab, National Liberation Movements as Government in Africa (London: Routledge Publs., 2018).

3ــ Sandra McCord, James McCord, The End of the Free Market: Who Wins the War Between States and Corporations?  (New York: Potfolio Publs., 2014).

 

 

 ***************************************

 

المحاضرة الـ 11:                                                      الثلاثاء: 7/12/2025

 

المنظمات غير الحكومية: The Non-Governmental Organizations

برنامج عمل المجتمع الدولي والعالمي

International and global Society Action Plan

*ــ مقدمة.

*1ــ ماهية المنظمات غير الحكومية وتطورها التاريخي

 *2ــ الإطار القانوني والمؤسسي لعمل المنظمات غير الحكومية

*3ــ أدوار المنظمات غير الحكومية في برنامج عمل المجتمع الدولي

 *4ــ التحديات والانتقادات الموجهة إلى المنظمات غير الحكومية في النظام العالمي الجديد

*ــ الخاتمة.

*****************************************

*ــ مقدمة.

    تُعدّ المنظمات غير الحكومية (NGOs) أحد أبرز الفواعل الجديدة في النظام الدولي المعاصر، إذ تحوّلت من كيانات محلية محدودة التأثير إلى أطراف رئيسة في صنع القرار العالمي. ومع تراجع احتكار الدولة لمجال الفعل الدولي، برزت هذه المنظمات كقوة موازية تمثل ضمير المجتمع المدني العالمي، وتنقل قضايا الشعوب المهمّشة إلى المحافل الدولية. لقد ساهمت التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة في توسعة المجال أمام الفاعلين غير الدولتيين، لتصبح المنظمات غير الحكومية شريكًا فاعلًا في معالجة القضايا الكونية مثل البيئة، وحقوق الإنسان، والتنمية المستدامة، والإغاثة الإنسانية.

    ومع اتساع حضورها، أصبحت هذه المنظمات تُشكّل بُعدًا جديدًا في مفهوم "المجتمع الدولي"، إذ لم يعد هذا الأخير مقتصرًا على الدول والمؤسسات الرسمية، بل بات يضم طيفًا واسعًا من القوى الاجتماعية العابرة للحدود. إلا أن توسّع هذا الدور أثار أيضًا تساؤلات حول شرعيتها، ومصادر تمويلها، وحدود تدخلها في الشؤون الداخلية للدول. ومن هنا، تبرز أهمية دراسة هذه المنظمات في سياق تفاعلها مع النظام الدولي، ضمن ما يُعرف اليوم ببرنامج عمل المجتمع الدولي والعالمي.

فما المنظمات غير الحكومية؟، وهل هي فواعل رئيسية أم ثانوية؟،

وما هو دورها الأساسي في العلاقات الدولية؟

*1ــ ماهية المنظمات غير الحكومية وتطورها التاريخي:

    المنظمات غير الحكومية هي هيئات مستقلة لا تهدف إلى الربح، تنشأ بمبادرة من أفراد أو جماعات مدنية لتقديم خدمات عامة أو الدفاع عن قضايا إنسانية أو بيئية أو تنموية، خارج إطار الدولة الرسمية. ويكمن جوهر تميّزها في استقلاليتها عن الحكومات، وفي قدرتها على ممارسة ضغط أخلاقي وسياسي على صانعي القرار، اعتمادًا على ما تمتلكه من شرعية مجتمعية. وقد تطورت المفاهيم المرتبطة بالمنظمات غير الحكومية منذ منتصف القرن العشرين، خصوصًا بعد إنشاء الأمم المتحدة سنة 1945، التي خصّت هذه المنظمات بمكانة استشارية ضمن المجلس الاقتصادي والاجتماعي (ECOSOC).

    تاريخيًا، تعود جذور المنظمات غير الحكومية إلى الجمعيات الخيرية والإغاثية التي نشأت في القرن التاسع عشر، مثل الصليب الأحمر الدولي (1863). ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، توسّع دورها ليشمل قضايا الإعمار والتنمية، ثم اكتسبت بعدًا عالميًا خلال الستينيات والسبعينيات مع صعود الحركات الحقوقية والبيئية. وفي التسعينيات، ومع انتشار العولمة والاتصال الرقمي، أصبحت هذه المنظمات فواعل مركزية في الحوكمة العالمية، تمارس أدوارًا تتراوح بين الرصد، والمراقبة، والدفاع، والتوعية، بل والمشاركة في وضع الأجندة الدولية ذاتها.

*2ــ الإطار القانوني والمؤسسي لعمل المنظمات غير الحكومية:

    يستند عمل المنظمات غير الحكومية إلى إطار قانوني متعدّد المستويات يجمع بين القوانين الوطنية للبلدان التي تُنشأ فيها، والمعايير الدولية التي تنظّم علاقتها بالأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية. فميثاق الأمم المتحدة، في مادته 71، أتاح للمجلس الاقتصادي والاجتماعي (ECOSOC) منح هذه المنظمات صفة استشارية، ما مكّنها من المشاركة في المؤتمرات الأممية، وتقديم التقارير والملاحظات حول قضايا التنمية وحقوق الإنسان. كما وضعت منظمات إقليمية كالاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي أطرًا قانونية مشابهة للاعتراف بمكانة المنظمات غير الحكومية كمكوّن مؤسسي في منظومة الحوكمة المتعدّدة الأطراف.

    لكن رغم هذا الاعتراف، تواجه المنظمات غير الحكومية قيودًا قانونية تتعلق بمصادر تمويلها، وبضرورة التسجيل في بلدان نشاطها، وبالتقيد بالقوانين المحلية الخاصة بالأمن القومي أو الشفافية المالية. ويثير ذلك جدلًا حول مدى استقلاليتها الفعلية عن الحكومات والجهات المانحة. كما أن غياب ميثاق دولي موحّد ينظّم وضعها القانوني يجعلها تتفاوت في درجات الشرعية والاعتراف من دولة إلى أخرى، الأمر الذي يدفع كثيرًا من الباحثين للمطالبة بإطار قانوني عالمي أكثر وضوحًا يوازن بين حرية العمل المدني واحترام السيادة الوطنية.

*3ــ أدوار المنظمات غير الحكومية في برنامج عمل المجتمع الدولي:

    تلعب المنظمات غير الحكومية اليوم دورًا محوريًا في تنفيذ برنامج عمل المجتمع الدولي، سواء عبر دعم السياسات الأممية أو من خلال المبادرات المستقلة. فهي تساهم في صياغة وتنفيذ أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، وتعمل جنبًا إلى جنب مع هيئات الأمم المتحدة في مجالات مثل التعليم، والصحة، والمساواة، ومكافحة الفقر. كما تُعدّ ركيزة أساسية في العمل الإنساني والإغاثي، إذ غالبًا ما تكون أول من يصل إلى مناطق الكوارث والحروب لتقديم المساعدات الطارئة، كما حدث في أزمات رواندا، وسوريا، وغزة، والسودان.

    وعلاوة على دورها الإنساني، أصبحت المنظمات غير الحكومية فاعلًا سياسيًا مؤثرًا من خلال ممارسة "الدبلوماسية الموازية" (Parallel Diplomacy)، أي التأثير غير المباشر على السياسات الدولية عبر التوعية الإعلامية، أو الضغط على الحكومات، أو المرافعة في المحاكم الدولية. وتعمل هذه المنظمات كذلك على مراقبة التزام الدول باتفاقيات حقوق الإنسان والبيئة، مما جعلها بمثابة "عين المجتمع الدولي" التي تراقب الأداء الحكومي من خارج المنظومة الرسمية.

*4ــ التحديات والانتقادات الموجهة إلى المنظمات غير الحكومية في النظام العالمي الجديد:

    رغم المكانة التي حظيت بها المنظمات غير الحكومية، إلا أنها تواجه انتقادات متزايدة تتعلق بطبيعة تمويلها وأهدافها الخفية. إذ يُتهم بعضها بأنها أدوات غير مباشرة للقوى الكبرى تستخدمها لفرض أجندات سياسية تحت غطاء العمل الإنساني أو الحقوقي. كما أن الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي يجعلها عرضة لفقدان استقلالها، ويؤدي إلى انحراف أولوياتها عن احتياجات المجتمعات المحلية نحو مصالح الممولين. ولهذا، برزت مطالب متزايدة بضرورة إرساء مبادئ الحوكمة الرشيدة داخل المنظمات ذاتها لضمان الشفافية والمساءلة.

    أما التحدي الثاني فيتمثل في تضارب الأدوار بين المنظمات الدولية والمنظمات المحلية، إذ تتهم بعض الدول هذه الأخيرة بأنها تتجاوز اختصاصاتها القانونية وتتدخل في شؤونها الداخلية، مما يؤدي أحيانًا إلى تقييد أنشطتها أو طردها. كما تطرح العولمة الرقمية تحديًا جديدًا للمنظمات غير الحكومية في ضبط المعلومات ومكافحة الأخبار المضللة، خاصة حين تتحول هذه المنظمات إلى فاعلين إعلاميين. وهكذا، فإن مستقبلها مرتبط بقدرتها على التكيّف مع نظام عالمي يتجه نحو إعادة تعريف السيادة والمساءلة في آنٍ واحد.

*ــ الخاتمة:

    تشكل المنظمات غير الحكومية اليوم أحد أعمدة المجتمع الدولي الجديد، حيث تُمثّل الجسر بين الحكومات والمجتمعات، وبين الدولة والفرد، وبين المحلي والعالمي. ورغم ما تواجهه من تحديات تتعلق بالتمويل، والشرعية، والشفافية، فإنها تبقى أداة لا غنى عنها لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة وترسيخ ثقافة الحقوق. ومع تزايد تعقيد الأزمات الدولية، من التغير المناخي إلى الهجرة والنزاعات المسلحة، يُنتظر أن تزداد أهمية هذه المنظمات في صياغة السياسات العالمية المقبلة. لكن نجاحها المستقبلي مرهون بقدرتها على بناء علاقة متوازنة مع الدول والمؤسسات الدولية، قائمة على الشفافية، والمساءلة، والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية. فبدون هذا التوازن، ستظل المنظمات غير الحكومية عرضة للاتهامات بالتسييس وفقدان المصداقية، بدل أن تكون كما يُفترض بها: صوت الإنسان في مواجهة السلطة، وصوت العدالة في عالم يتسارع فيه الخلل بين القوة والقانون.

***********************

*ــ مراجع المحاضرة للاطلاع:

1– Shamima Ahmed David, M. Potter, NGOs in International Politics (Bloomfield, Connecticut: Kumarian Press, 2006).

2– Kjersti Lohne, Advocates of Humanity: Human Rights NGOs in International Criminal Justice (London: Oxford University Pres, 2019).

3ــ Albert Simard, Winter Roeder, Diplomacy and Nogociations for Humanitarian NGOs (New York: Springer Publs., 2013).