مقدمة :

تحتاج معظم الدول الى الإستثمار  لكون هذا الأخير  يستطيع أن يلعب دورا أساسيا في عملية التنمية الإقتصادية للدولة المضيفة، فهو يمكنها من خلق آليات لتدعيم خزينتها العامة، إلى جانب إستغلال مواردها الطبيعية، كما يسهم في تنمية بنيتها التحتية، وتنمية وتطوير مختلف الصناعات من خلال ما يقدمه من أصول متنوعة والوصول الى الأسواق الأجنبية كما يعزز بناء القدرات التكنولوجية اللازمة للإنتاج والإبتكار وروح المبادرة داخل الإقتصاد المحلي.

إن هذه الاستثمارات تتم بواسطة عقود تبرم بين الدولة والمستثمر الأجنبي الذي يملك رؤوس الأموال التي تتطلبها خطط التنمية لهذه الدول كإبرام عقود بناء المصانع، عقود نقل التكنولوجيا، عقود امتياز المرافق العامة وغيرها.

لقد كانت الجزائر في مثل هذه العقود قبل التحول الذي عرفته نهاية سنوات الثمانينيات من القرن العشرين وبالخصوص في مجال عقود البترول، متبية موقفا متحفظا بشأن الإستثمارات الأجنبية، وكانت كلها خاضعة إلى القانون الوطني ومنازعاتها إلى القضاء الوطني.

إلا أن إنهيار أسعار المحروقات أدى إلى نقائص وسلبيات مست النظام الاقتصادي، حيث أدى إنخفاض العائدات النفطية إلى تدني حجم الواردات وتقليص الاستثمارات العمومية الشيء الذي نتج عنه إنخفاض محسوس في النمو الإقتصادي، لذا كان من الطبيعي أن تبذل الدولة جهودا معتبرة لإرساء مصداقية هذه التنمية، عن طريق إرساء نظام قانوني فعال يعمل على دعم إقتصاد السوق، وعليه عرف النظام القانوني للإستثمار في الجزائر تطورا معتبرا مستمدا بذلك أساسه من تطور وتحويل الإقتصاد من إقتصاد موجه إلى إقتصاد منفتح على السوق

يحٌتاج نجاح الاستثمار إلى توفر بيئة إستثمارية مشجعة من خلال توفر ضمانات قانونية و اقتصادية كفيلة  بتوفر الأمان الاقتصادي و القانون للمستثمر وتحقق التوازن بين أطرف العلاقة

ويمكن القول بصفة عامة أن قانون الاسثتمار يتشكل من مجموع القواعد القانونية والتنظيمية التي تحكم الاستثمار في بلد ما، وقد مر هذا القانون فيالجزائر بعدة تطورات خضع فيها نظام الاستثمار لعدة تغييرات  وتعديلات، إلى غاية صدور  القانون 16/09 المتعلق بترقية  بالإستثمار الذي يمثل القانوني الأساسي المنظم للاستثمار حاليا في الجزائر ، والذي ألغى بموجبه المشرع الجزائري  قانون الاستثمار السابق وهو الأمر 01/03 المتعلق بتطوير الإستثمار .

وعليه فإنه ستكون دراستنا في هذا المقياس حول تنظيم الإستثمار  في الجزائر  من خلال التطرق للجانب المفاهيمي  لمفهوم الإستثمار ودوره الوظيفي في التنمية الإقتصادية بالإضافة إلى الإجراءات الإدارية المتمثلة في التسجيل والترخيص للإستثمار والضمانات المكفولة للمستثمرين من خلال دراسة المبادئ التي جاء بها القانون الجديد للإستثمار .والتطرق إلى وسائل تسوية منازعات الإستثمار التي تنشئ سواء ما بين الدولة والمستثمر الأجنبي أو المستثمر الوطني .

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي للإستثمار وتطوره  

لمعرفة ظروف الإستثمار في الجزائر ومدى أهمية الإصلاحات والتطورات التي تم الشروع فيها في السنوات الأخيرة يجب الإهتمام أولا وقبل كل شيئ القيام بمحاولة ضبط مفهوم الاستثمار نظرا لصعوبة تقديم تعريف شامل ودقيق له وموقف المشرع الجزائري من مفهوم الإستثمار                ( المطلب الآول) ، بعدها سنتطرّق إلى معرفة الطورات الحاصلة على القوانين المنظمة للاستثمار في الجزائر  ( المطلب الثاني).

.المطلب الأول : مفهوم  الإستثمار وأهميته

لقد أولي موضوع الإستثمار أهمية بالغة من طرف القهاء بإعتباره ضرورة حتمية ، غير أن جل التعاريف التي قدمت بشأنه إختلفت بإختلاف نظرة كل دولة إليه، ونجد أن كل التعاريف يغلبها الطابع الإقتصادي أكثر منه التعريف القانوني ، لذا سنتطرف في هذا المطلب إلى تعريف الإستثمار من الناحية الإقتصادية ومن الناحية التشريعية بالإضافة إلى ما عرفته الإتففاقيات الدولية الثنائية والجناعية  (الفرع الأول) وأنواع وأشكال الإستثمارات (الفرع الثاني).

الفرع الأول : تعريف الإستثمار

سنتطرق في هذا الفرع إلى تعريف الإستثمار على المستوى الإقتصادي (أولا )، ثم التعريف التشريعي (ثانيا), وبعذ ذلك الإتفاقيات الجماعية (ثالثا) و الإتفاقيات الثنائية التي صادقت عليها الدولة الجزائرية (رابعا).

 

أولا: التعريف الإقتصادي للإستثمار

لقد كان الإقتصاديين السابقون على خلاء فقهاء القانون في إعطاء  تعريف للإستثمار  حيث قاموا بتعريف الإستثمار تعريفات عديدة من الوجهة الإقتصادية ، فقد ذهب فريق من الإقتصاديين إلى تعريف الإستثمار بأنه "" تضحية بقدرات الإستهلاك الجاري على أمل تحقيق زيادة الإمكانيات الإستهلاكية في المستقبل .

وعرف فريق أخر على أنه "" عملية إنماء الذمة المالية لبلد ما من خلال حركة رؤوس الأموال المملوكة لها عبر الحدود ودخولها في مشروعات إقتصادية تعمل على توفير إحتياجات مختلفة وتحقيق أرباح مالية ، وذهب بعض الفقه إلى أن الإستثمار هو "" التوظيف الطويل المدى لرؤوس الأموال في الصناعة وزالزراعة والمواصلات وغيرها  من المجالات الإقتصادية الهامة "".

ويشار إلى مصطلح الإستثمار في مجالات الإستثمارات الدولية على أنه كل إستخدام يجري في الخارج لموارد مالية بلد من بلدان، وانه المقصود منه عملية تحويل المدخرات إلى أصول رأسمالية وتحويلها إلى ألات ومبان.

وعليه يعد الإستثمار من وجهة الإقتصاديين ، عملية إنماء للذمة المالية لبلد ما، وذلك من وجهة نظر إستاتيكية ، أما من الناحية الديناميكية ، يمثل العمليات التي تهدف إلى خلق رأس مال، بمعنى أنها عملية إيجاد مشروعات إقتصادية دائمة تعمل على توفير احتياجات مختلفة وتحقيق فوائض مالية ويتضح من خلال التعريفات أن الإقتصاديين جعلوا هدف الإستثمار تعريف له دون التوقف عند عملية الإستثمار ذاتها من حيث عناصرها أو أشكالها أو إرادتها .

ثانيا :  التعريف التشريعي للإستثمار

 إختلف الفقه و تباينت التشريعات الوطنية واختلفت الإتفاقيات الدولية في تعريفها للإشتثمار، حيث يمكن القول أنه لا يوجد تعريف محدد جامع مانع له.

وبالرجوع إلى قانون الإستثمار الجزائري ، نجده لم يعطي تعريفا للإستثمار وإنما عدد صور وأنواع الإستثمارات في نص المادة الأولى و الثانية من الأمر 16/09 والتي جاءت على النحو التالي:

المادة الأولى : يهدف هذا القانون إلى  تحديد  النظام المطبق على الإستثمارات الوطنية والأجنبية المنجزة في النشاطات الإقتصادية المنتجة للسلع والخدمات ، وكذا الإستثمارات التي تنجز في إطار منح الإمتياز أو الرخصة .

المادة الثانية: يقصد بالإستثمار في مفهوم هذا الأمر ما يلي :

01-        إقتناء أصول تندرج في إطار إستحداث نشاطات جديدة أو توسيع قدرات الإنتاج أو إعادة  التأهيل أو إعادة الهيكلة .

02-        المساهمة في رأس مال مؤسسة في شكل مساهمات نقدية أو عينية

ولقد أضافت المادة السادسة من نفس القانون صور أخرى للإستثمار وتتجسسد في ما يلي :

-       السلع بما يها تلك المجددة التي تشكل حصصا خارجية تدخل في إطار عمليات نقل النشاطات من الخارج .

-       السلع التي تكون موضوع رفع خيار شراء المستأجر في إطار الإعتماد الإيجاري الدولي بشرط إدخال السلع إلى التراب الوطني في حالة جيدة ويفهم من هذه الفقرة ان السلع التي تستورد في إطار عمليات الإعتماد الإيجاري التي نص عليها القانون 06          -09 المتعلق بالإعتماد الإيجاري والتي تعطي حق الخيار بالشراء بالنسبة للمستأجر مع شرط تكملة بقية الأقساط .

ما يلاحظ من خلال التعريف أن المشرع الجزائري لم يعطي تعريفا جامعا مانعا للإستثمار وإنما ذكر صور الإستثمار،  وقد تأثر بالجانب الإقتصادي وجاء التعريف خال من الدقة القانونية ، حيث حدد المجالات المتعلقة في الإستثمار على سبيل الحصر ، وهو خطا وقع فيه المشرع الجزائري، خاصة أننا نشهد في التطورات الإقتصادية ظهور العديد من أشكال الإستثمار، وأصبح يشمل العديد من العمليات والعديد من العقود مثل عقود تسليم المفتاح في اليد وعقود نقل التكنولوجيا المتنوعة .

ثالثا: تعريف الإستثمار في الاتفاقيات الدولية المتعددة  :

سنكتفي بالإشارة إلى أهم هذه الإتفاقيات في مجال الإستثمار الدولي وهي إتفاقية واشنطن لعام 1965 التي بموجبها تم إنشاء المركز الدولي لتسوية منازعات الإستثمار وإتفاقية سيول لعام 1985 الخاصة بالوكالة المتعددة الأطراف لضمان الإستثمار

أ: إتفاقية واشنطن لسنة 1965: من أجل توسيع مجال نشاط المركز لم يضع القائمين على هذه الإتفاقية عن تحديد تعريف دقيق للإستثمار، مما سمح بالحفاظ على وحدة النزاع، وفتح المجال أمام التطورات في مجال الإستثمار الدولي لذلك أصبح المركز مختص بالنظر في كل الخلافات ذات الطبيعة القانونية والتي لها علاقة بالإستثمار ، والشرط الوحيد لذلك يتمثل في موافقة الأطراف وهذا ما جاء في نص المادة 25 من الإتفاقية.

ب: إتفاقية سيول  عام 1985 : على عكس إتفاقية واشنطن لعام 1965 فقد عرفت الإتفاقية في نص مادتها 12 الإستثمار على ما يلي"" تشمل الاستثمارات الصالحة للضمان حقوق الملكية والقروض المتوسطة والطويلة الآجل التي يقدّمها أو يضمنها المشاركون في ملكية المشروع المعني، وما يحدده مجلس الادارة من صور الاستثمار المباشر"

إن مفهوم الإستثمار الوارد في المادة 12 من إتفاقية سيول  جاء واسع ويشمل بالإضافة إلى الاستثمار الكلاسيكي المباشر الأشكال الجديدة للإستثمار وكما أن المادة تميز بين الأحكام الخاصة بتحديد مفهوم الإستثمارات وتلك التي تعتبر معايير لتحديد الإستثمارات المشمولة بعملية الضمان .

 

رابعا: الإتفاقيات الثنائية

لقد أبرمت الجزائر العديد من الإتفاقيات الثنائية بخصوص الإستثمار ، والملاحظ  عند دراسـة وتفحـص العدیـد مـن الاتفاقیـات الثنائیـة المبرمـة فـي مجـال تشـجیع وحمایـة الاسـتثمار نجد أن معظم هذه الاتفاقیات والمبرمة في السنوات الأخیرة تتضمن تعریفا عاما للاستثمار، وقسما آخر اعتمد طریقة الإحالة إلى الدولة المضیفة.

على سبيل المثال نذكر الإتفاق المبرم بين دولة الجزائر والمملكة الإسبانية حيث عرفت المادة الأولى منها الإستثمار على ما يلي :

"" عبارة الإستثمارات : تدل على كل عنصر من الأصول ، سلع أو حقوق مرتبطة بالإستثمار مهما كانت طبيعته والمستثمر طبقا لتشريع البلد المستقبل للإستثمار وهي على وجه الخصوص لا الإطلاق:

أ‌-     الأسهم وكل صيغة أخرى للمشاركة في الشركات

ب‌-       الحقوق الناجمة من كل إسهام منجز بغرض خلق قيم إقتصادية

ت‌-       الأملاك االمنقولة والعقارية وكل حق عيني مثل الرهن والرهن الحيازي وحق الإنتفاع وكل الحقوق الأخرى المماثلة

ث‌-       الحقوق التابعة للملكية الذهنية ، كبرراءات للإختراع والعلامات التجارية ورخص الصناعة والمهارة

ج‌- الحقوق الممنوحة قانونا أو بموجب عقد طبقا لتشريع البلد المستقبل للإستثمار وخصوصا الإمتيازات المتعلقة بالإستكشافات بالفلاحة بالإستخراج وبإستعلال الموارد الطبيعة .

من خلال تحليلنا  لنص المادة الأولى من الإتفاقية نلاحظ أنها جاءت  طويلة جدا وهذا راجع لتعمد واضعي هذه الإتفاقية لنظام التعداد وذلك على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر ، وهذا السبب راجع إلى جعل مفهوم الإستثمار واسع من أجل تجنب الخلافات ما بين الدولتين المتعاقدتين.

مخطط لتعريف الإستثمارمخطط لتعريف الإستثمار