المحاضرة الثالثة عشرة: مدرسة أوكسفورد (فلسفة اللغة العادية والأفعال الكلامية)
تمهيد: لم تنشأ هذه المدرسة في أحضان اللسانيات البنيوية، بل خرجت من عباءة "فلسفة اللغة" في جامعة أوكسفورد البريطانية، وتحديداً على يد الفيلسوف جون أوستين (J. Austin) وتلميذه جون سيرل (J. Searle). أحدثت هذه المدرسة ثورة كبرى بتركيزها على (التداولية - Pragmatics)، حيث لم تعد اللغة مجرد نظام مجرد لوصف العالم، بل أصبحت "أداة للفعل" وتغيير الواقع (فوك، كاترين وقوفيك، بيارلي: مبادئ في قضايا اللسانيات المعاصرة، ص 188).
1. التمييز بين الأقوال التقريرية والأقوال الإنجازية (أوستين): في كتابه الشهير "كيف ننجز الأشياء بالكلمات"، هاجم أوستين النظرة المنطقية التقليدية التي تحكم على كل الجمل بأنها إما (صادقة) أو (كاذبة). وقسم الملفوظات إلى:
- أقوال تقريرية (Constatives): تصف حالة في العالم الخارجي، وتخضع لمعيار الصدق والكذب (مثل: السماء ممطرة اليوم).
- أقوال إنجازية (Performatives): لا تصف شيئاً، ولا تكون صادقة أو كاذبة، بل إن التلفظ بها في حد ذاته هو "إنجاز لفعل" (مثل: "أعدك بالمجيء"، "أحكم عليك بالسجن"، "أسميت هذه السفينة الحرية"). هذه الأفعال تخضع لمعيار (النجاح أو الإخفاق) بناءً على توفر شروط مؤسسية معينة (مومن، أحمد: اللسانيات – النشأة والتطور، ص 260-262).
2. نظرية الأفعال الكلامية (Speech Acts Theory): طوّر أوستين نظريته معتبراً أن كل قول ننجزه يتضمن في الحقيقة إنجاز ثلاثة أفعال متزامنة:
- فعل القول (Locutionary Act): الفعل الصوتي والتركيبي (إصدار أصوات ذات معنى وقواعد صحيحة).
- الفعل المتضمن في القول (Illocutionary Act): القصد والنية من وراء الكلام (كالتهديد، الوعد، الأمر، الرجاء).
- أثر القول (Perlocutionary Act): الأثر النفسي أو السلوكي الذي يتركه القول على المخاطب (كإقناعه، إخافته، إغضابه) (قدور، أحمد محمد: مبادئ اللسانيات، ص 225).
3. تصنيف الأفعال الكلامية (جون سيرل): جاء سيرل ليعمق أبحاث أستاذه أوستين، فوضع شروطاً دقيقة لنجاح الأفعال الكلامية (كشرط الإخلاص، وشرط المحتوى القضوي). كما قدم تصنيفاً خماسياً شاملاً للأفعال المتضمنة في القول، قسمها إلى: (التقريريات، التوجيهيات، الالتزاميات، التعبيريات، والإعلانيات) (بناني، محمد الصغير: المدارس اللسانية، ص 210).
- المعلم: ABDELKADER BARR
المحاضرة الخامسة: مدرسة براغ 2 (رومان ياكوبسون وإميل بنفينيست - التوسع المنهجي)
تمهيد: لم تتوقف إسهامات مدرسة براغ عند الصوتيات، بل امتدت لتشمل الدلالة، التركيب، ونظرية التواصل، خاصة مع التطورات التي أحدثها ياكوبسون لاحقاً، والتقاطعات المنهجية مع أعمال اللساني الفرنسي إميل بنفينيست.
1. نظرية التواصل والوظائف اللغوية (ياكوبسون): تجاوز ياكوبسون التحليل الصوتي المحض ليبني نموذجاً شاملاً للتواصل البشري. حدد ستة عناصر لأي عملية تواصلية (المرسل، المتلقي، الرسالة، السياق، القناة، والسنن المرجعي)، وربط بكل عنصر وظيفة لغوية محددة (تعبيرية، انتباهية، شعرية، مرجعية، حفاظية، وما وراء لغوية). لقد بيّن أن الوظيفة الشعرية (التركيز على الرسالة لذاتها) ليست حكراً على الشعر، بل تتواجد في لغة الإشهار والخطاب اليومي (ياكوبسون، رومان: قضايا الشعرية، ترجمة محمد الولي، ص 24-28).
2. السمات التمييزية الثنائية (Binarism): طوّر ياكوبسون مفهوم الفونيم، معتبراً أنه ليس الوحدة الأصغر، بل يتكون من "حزمة من السمات التمييزية الثنائية" (Traits distinctifs). كل صوت يتحدد إما بوجود السمة (+) أو غيابها (-)، مثل: (+ مجهور / - مجهور)، مما جعل التحليل اللساني أقرب للرياضيات (مومن، أحمد: اللسانيات، ص 155).
3. إميل بنفينيست ونظرية التلفظ (L'énonciation): رغم انتمائه للمدرسة الفرنسية، تقاطعت أعمال بنفينيست مع الوظيفية من خلال إدخاله لمفهوم "الذات المتكلمة" إلى اللسانيات. ميّز بنفينيست بين الجملة (كوحدة نحوية مجردة) و"التلفظ" (كفعل فردي لإنتاج الخطاب). وركز على المشيرات اللغوية (Deictics) كالضمائر (أنا، أنت) وظروف الزمان والمكان (الآن، هنا) التي لا يتحدد معناها إلا في سياق التلفظ (فوك، كاترين وقوفيك، بيارلي: مبادئ في قضايا اللسانيات المعاصرة، ص 112-115).
- المعلم: ABDELKADER BARR