نتناول في هذا المقياس بناء على المقرر في المقياس وهو مكافحة جرائم الفساد في التشريع الجزائري، حيث نبدأ بمحاولة تسليط الضوء حول مفهوم الفساد لغة ثم اصطلاحا وتحديدا طبقا للتشريع الجزائري والاتفاقي من خلال اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد المصادق عليها عام 2003 في ميريدا بالمكسيك والتي صادقت عليها الجزائر عام 2004 والذي على اثره اصدر المشرع الجزائري القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته المعدل والمتمم عامي 2010 و 2011.
المقياس من اعداد وتقديم الاستاذ الدكتور محمد بكرارشوش استاذ القانون العام بجامعة قاصدي مرباح ورقلة بكلية الحقوق والعلوم السياسية
المقياس يتكون من محاضرة واعمال توجيهية
حصة محاضرة وحصة أعمال موجهة
نمط التقييم: امتحان كتابي + تقويم مستمر من خلال توزيع اعمال بحثية على طلبة الفوج وتقديمها ومناقشتها
كلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير
قسم التسيير
ماستر حوكمة ومكافحة الفساد
السداسي الأول
مطبوعة من إعداد وتقديم
الاستاذ محمد بكرارشوش أستاذ التعليم العالي
حول قانون الوقاية من الفساد ومكافحته
نوفمبر 2025
السنة الجامعية 2025/2026
المبحث التمهيدي
لمحة خاطفة حول قانون الوقاية من الفساد ومكافحته
قبل التطرق إلى الموضوع، ارتأيت أن أقدّم نبذة عن قانون الوقاية من الفساد ومكافحته والظروف الموضوعية والقانونية التي اعتمده فيها المشرّع الجزائري، والسياسة المنتجة لتحقيق أهداف سن هذا القانون.
أولا: الظروف الموضوعية والقانونية التي مهدت لسن القانون 06-01
1- من الناحية الموضوعية: إنّ لتفشي ظاهرة الفساد الإداري والمالي في الحياة العمومية، آثار سلبية على سير المرافق العمومية مما يزيد من معاناة المواطن والمتعاملين الاقتصاديين على حدّ سواء جرّاء هذه الظاهرة، هذا من جهة، والتأثير السلبي للظاهرة على سمعة الدولة في الخارج خصوصا مع سعي الحكومة الجزائرية للانضمام إلى شراكات اقتصادية متنوعة، كل هذا شكل أسباب موضوعية لتبني قانون يحارب ظاهرة الفساد الإداري والمالي ويعمل جاهدا على الوقاية منها.
2- من الناحية القانونية: فإنّ مصادقة الجزائر على جملة من الاتفاقيات الدولية والثنائية، ينجرّ عنها حتما التزام الدولة تجاه الدول الأخرى أو المجتمع الدولي عموما وفقا لقواعد القانون الدولي العام، كما ينص على ذلك الدستور الجزائري في مادته 132 (تنص المادة 132 من الدستور الجزائري على: [المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية، حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور، تسمو على القانون])، حيث يقتضي الأمر تكييف القوانين الداخلية مع الأحكام الواردة في مثل هذه الاتفاقيات، ومنها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، المسماة اتفاقية ميريدا (مدينة بالمكسيك) (بعد الأشغال التحضيرية في سنة 2001 وبعد سنتين من المفاوضات الصريحة بفينّا موزعة على سبعة دورات توجت بالتوقيع على الاتفاقية بمدينة مريدا بالمكسيك في الفترة من 09 إلى 11 ديسمبر سنة 2003. ودخلت حيّـزَ التنفيذ في 15-11-2005 ثلاثة أشهر بعد إيداع التصديق رقم الثلاثين) المعتمدة من طرف الجمعية العامّة للأمم المتحدة بنيويورك بتاريخ 31 أكتوبر 2003، والمعروفة اختصارا UNCAC، صدّقت عليها الجزائر بتحفظ بموجب المرسوم الرّئاسي رقم 04-128 المؤرخ في 19-4-2004، ج.ر العدد 26. وقبل ذلك، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، المعتمدة من طرف الجمعية العامّة لمنظمة الأمم المتحدة يوم 15 نوفمبر 2000، صدّقت عليها الجزائر بتحفظ بموجب المرسوم الرئاسي رقم 02-55 المؤرخ في 05-02-2002، ج.ر عدد 09.
ثانيا: قراءة لمحتوى القانون 06-01 المعدّل والمتمم
لقد احتوى قانون الوقاية من الفساد ومكافحته على محاور رئيسية وهي على التوالي: أحكام عامة تناول على الخصوص تعريف المصطلحات الواردة في القانون، التدابير وآليات الوقاية من الفساد، التجريم والعقاب للأفعال الموصوفة بجرائم الفساد، آليات مكافحة جرائم الفساد، القواعد الإجرائية الخاصة في مكافحة جرائم الفساد، أساليب التحري الخاصة، التدابير الخاصة التي أقرها المشرّع في التصدي لجرائم الفساد وأحكام التعاون الدولي في مكافحة الفساد.
ثالثا: الخصائص الشكلية لقانون الوقاية من الفساد ومكافحته
من خصائص القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20-02-2006، المعدّل والمتمم (أنظر إلى الأمر رقم 10-05 مؤرخ في 16 رمضان عام 1431 ه الموافق 26-8-2010، المتمم للقانون رقم 06-01، الجريدة الرسمية العدد 50. والقانون رقم 11-15 مؤرخ في 02 رمضان عام 1432 الموافق 02-8-2011، يعدل ويتمم القانون رقم 06-01).
وكما تدلّ على ذلك تسميته، أنّه جاء بتدابير وقائية ولم يقتصر على التجريم والعقاب فقط، وذلك شأنه شأن النصوص الخاصة المكملة لقانون العقوبات، وفي هذا الصدد، لقد خصّص المشرّع جزءً مهما من نصوصه للتدابير الوقائية من جرائم الفساد ومنها تلكم المتعلقة بالصفقات العمومية موضوعِ دراستنا، حيث وزعت نصوص القانون على ستة (6) أبواب كالآتي (طبعا هذا قبل تعديل القانون سنة 2010 الذي أضاف المشرّع بابا ثالثا مكررا مستحدثا بموجبه الديوان المركزي لقمع الفساد وهو هيئة عملياتية تهدف إلى مكافحة الفساد):
بابان (2) الأول والسادس، على التوالي للأحكام العامة والأحكام المختلفة والختامية،
أربعة (4) أبواب للوقاية والمكافحة، خصّص المشرّع بابين للوقاية وبابين آخرين للمكافحة، أيّ بالتساوي من حيث الشكل.
حيث جاء الباب الثاني المعنون بـ"التدابير الوقائية في القطاع العام" المواد من 3 إلى 16 بجملة من التدابير الوقائية تخص التوظيف، التصريح بالممتلكات، مدونات قواعد سلوك الموظفين العموميين، إبرام الصفقات العمومية، تسيير الأموال العمومية، الشفافية في التعامل مع الجمهور، التدابير المتعلقة بسلك القضاة، تدابير أخرى متعلقة بالقطاع الخاص كاعتماد معايير محاسبة ملائمة، مشاركة المجتمع المدني في الوقاية ومكافحة الفساد، وأخيرا اتخاذ تدابير منع تبييض الأموال العائدة من جرائم الفساد.
أمّا الباب الثالث المعنون بــ "الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته" المواد من 17 إلى 24، فلقد تضمن أيضا جملة من التدابير تمثلت أساسا في إنشاء هيئة الوقاية من الفساد ومكافحته التي من أبرز مهامها اقتراح سياسة شاملة للوقاية من الفساد تُجسّد مبادئ دولة القانون وتعكس النزاهة والشفافية والمسؤولية في تسيير الشؤون والأموال العمومية.
إذن، هذا التوزيع المتساوي من حيث الشكل لا يخلو من دلالة وهي أنّ محاربة ظاهرة الفساد بشكل عام وفي الصفقات العمومية بشكل خاص لا يكفي التجريم والعقاب وحده للحدّ منها وإنّما لا بدّ من الوقاية أولا وقبل كلّ شيء.
المطلب الأول: الوقاية من الفساد
لقد جاء المشرّع في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته الصادر بالقانون رقم 06-01 المؤرخ في 20-02-2006، والقوانين الأخرى المعدّلة والمتممة له، في إطار السياسة الوقائية من الفساد بجملة من التدابير الوقائية اعتبرت لبنة أساسية وحجر الأساس لعدّة نصوص قانونية وتنظيمية مست الكثير من القطاعات ذات الصلة بتسيير الشأن العام لا سيما الوظيفة العمومية، القضاء ونظام المشتريات العمومية أو ما يعرف في نظامنا القانوني بقواعد تنظيم الصفقات العمومية...الخ، سنتناول في هذا الباب بعضا من الآليات والتدابير للوقاية من الفساد.
الفرع الأول: التدابير الوقائية في القطاع العام
مست التدابير الوقائية عدّة قطاعات من القطاع العام، حيث مست العديد من الإجراءات ذات الطابع الاحترازي، قصد تلافي الوقوع في أسباب الفساد، من هذه المجالات، التوظيف، التصريح بالممتلكات، إرساء مدونات قواعد سلوك مهنية نابعة من أصحاب المهنة أنفسهم، وذلك في جميع القطاعات المهنية، لاسيما في مجال الصفقات العمومية، وفي سلك القضاة.
أ- التوظيف
نصت المادة 3 من القانون 06-01 المعدل والمتمم، على جملة من القواعد ينبغي مراعاتها عند اللجوء إلى توظيف مستخدمي القطاع العام وفي تسيير حياتهم المهنية، وهي: مبادئ النجاعة والشفافية والمعايير الموضوعية مثل الجدارة والإنصاف والكفاءة، الإجراءات المناسبة لاختيار وتكوين الأفراد المرشحين لتولي المناصب العمومية التي تكون أكثر عرضة للفساد، أجر ملائم بالإضافة إلى تعويضات كافية وإعداد برامج تعليمية وتكوينية ملائمة لتمكين الموظفين العموميين من الأداء الصحيح والنزيه والسليم لوظائفهم وإفادتهم من تكوين متخصص يزيد من وعيهم بمخاطر الفساد.
ولقد جسد المشرّع هذه المبادئ عند تنظيمه للقانون الأساسي العام للوظيفة العمومية، الصادر بموجب الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15-7-2006، لا سيما في الفصل المتعلق بالتوظيف والتكوين وبعض الأحكام المتعلقة بالتأديب وحالة التنافي مع الوظيفة، بالإضافة إلى بعض النصوص الأخرى المتعلقة بالأجور.
ب- التصريح بالممتلكات
لقد بيّن المشرّع في المادة 4 من القانون رقم 06-01 المشار إليه، الغاية من تأسيس نظام التصريح بالممتلكات الواجب على فئة من الموظفين العموميين، وهي ضمان الشفافية في الحياة السياسية والشؤون العمومية وحماية الممتلكات العمومية وصون ونزاهة الأشخاص المكلفين بخدمة عمومية.
ولقد رتّب المشرّع عن عدم التصريح أو التصريح الكاذب بالممتلكات مسؤولية جزائية على الموظف الخاضع قانونا لواجب التصريح بالممتلكات، وتتم متابعته بهذه التهمة في حالة تخليه عن هذا الواجب عمدا بعد مضي شهرين من تذكيره بالطرق القانونية، أو قام بتصريح غير كامل أو غير صحيح أو خاطئ، أو أدلى عمدا بملاحظات خاطئة أو خرق عمدا الالتزامات التي يفرضها عليه القانون (هذا ما جاء في نصّ المادّة 36 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته.
هام جدا: تجدر الإشارة إلى أنّ المشرّع أورد تدبير التصريح بالممتلكات ضمن التدابير الوقائية ضمن نصّ المادّة 4 من هذا القانون، فلماذا يجرم عدم القيام بهذا العمل؟ إذ كان بإمكانه إدراج وثيقة التصريح بالممتلكات ضمن الإجراءات اللازمة لاستكمال عملية التوظيف أو التثبيت في المنصب أو حتّى تقاضي أجر المنصب، شأنها شأن أيّة وثيقة ضرورية كالدبلوم أو الأوراق الثبوتية الأخرى التي تخضع للرقابة الإدارية القبلية والبعدية على غرار رقابة مفتشية الوظيف العمومي والمراقب المالي، هذا الإجراء حتما كان يكون له أثر فعّال وهو إجراء وقائي فعلا. إنما اتجاه المشرّع نحو تجريم عدم التصريح بالممتلكات لهو تدبير بلا قيمة في رأيي، ويدخل ضمن سياسة التجريم بلا فاعلية في الواقع وموجه للاستهلاك الإعلامي والرأي العام المحلي والدولي فقط، ولا يعبّر عن جدّيته في مكافحة الفساد، ولا أدلّ على ذلك من تداول القضايا من هذا النوع، حيث لم نسمع ولا مرّة أنّ مسؤولا تم متابعته بمثل هذه التهم، وحتى التصريح بالممتلكات لبعض المسؤولين الكبار في الدولة التي تتداولها وسائل الإعلام تثير لدى المواطن الاستهجان وتفتح باب التنكيت!).
1. محتوى التصريح بالممتلكات
يتضمن التصريح بالممتلكات وفقا لنص المادة 5 من نفس القانون، جردا للأملاك العقارية والمنقولة التي يحوزها الموظف المعني بالتصريح بالممتلكات أو أولاده القصر، ولو في الشيوع، سواء كانت هذه الممتلكات في الجزائر وفي الخارج أو في الخارج فقط.
ولقد حدّد المرسوم الرئاســي رقــم 06-414 المــــؤرخ فــي 22-11-2006، (جريدة رسمية، عدد 74) نموذج التصريح بالممتلكات. أنظر الملاحق في الجريدة الرسمية.
2. المعنيون بالتصريح بالممتلكات وإجراءاته
حدّدت المادة 6 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، فئات الموظفين الذين يجب عليهم التصريح بممتلكاتهم وهي أربع فئات مقسمة كالآتي:
1- فئة المناصب السيادية العليا في الدولة: وتتمثل في كلّ من رئيس الجمهورية، وأعضاء البرلمان، ورئيس المجلس الدستوري وأعضائه، ورئيس الحكومة وأعضائها، ورئيس مجلس المحاسبة، ومحافظ بنك الجزائر، والسفراء والقناصلة، والولاة، كل هؤلاء يتقدمون بالتصريح بممتلكاتهم أمام الرئيس الأول للمحكمة العليا، كما يجب أن ينشر مضمون ذلك التصريح بالجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، وذلك خلال مدة الشهرين المواليين لتاريخ انتخاب المعنيين (كرئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان) أو تسلمهم مهامهم (بالنسبة للمعينين لباقي الوظائف الأخرى).
2- فئة المنتخبين المحليين: تتمثل فئة المنتخبين المحليين في رؤساء وأعضاء كل من المجالس الشعبية الولائية والمجالس الشعبية البلدية، ويقوم هؤلاء بتقديم التصريح بممتلكاتهم خلال مدة شهر من انتخابهم للهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته، كما يجب أن ينشر هذا التصريح عن طريق التعليق في لوحة الإعلانات بمقر البلدية أو الولاية حسب الحالة.
فئة القضاة: يصرّح القضاة بكل مستوياتهم بممتلكاتهم أمام الرئيس الأول للمحكمة العليا. ويشمل لفظ القضاة جميع الخاضعين للقانون الأساسي للقضاة بغض النظر عن وظائفهم قضاة حكم أو قضاة تحقيق أو قضاة نيابة، قضاة درجة أولى أو مستشارين، وفي مختلف الهيئات القضائية، محاكم، مجالس قضائية أو المحكمة العليا، مجلس الدولة أو محكمة التنازع (أنظر القانون العضوي رقم 04-11 المؤرخ في 06-9-2004، المتضمن للقانون الأساسي للقضاء، ج.ر عدد 57. نصّت المادّة 25 منه على أنّه يجدد التصريح كل خمس 5 سنوات وعند التعيين في وظيفة نوعية كرئيس محكمة، رئيس مجلس قضائي، وكيل جمهورية، نائب عام، قاضي التحقيق، رئيس غرفة، رئيس محكمة إدارية، محافظ دولة، إلى غير ذلك.
وتجدر الإشارة إلى أنّ سلك القضاة يشمل الفئات التي ذكرتهم المادّة 2 من القانون المشار إليه أعلاه، وهم أربع (4) فئات: 1- قضاة الحكم والنيابة العامة للمحكمة العليا والمجالس القضائية، والمحاكم التابعة للنظام القضائي العادي، 2- قضاة الحكم ومحافظي الدولة لمجلس الدولة والمحاكم الإدارية، 3- القضاة العاملين في: - الإدارة المركزية لوزارة العدل، - أمانة المجلــس الأعلــى للقضـــــــــاة، - المصالح الإدارية للمحكمة العليا ومجلس الدولة، - مؤسسات التكوين والبحث التابعة لوزارة العدل.
1- يلاحظ في هذا النصّ أنّ المشرّع أغفل ذكر قضاة محكمة التنازع، وهي تتشكل من مستشارين ومحافظي الدولة، ولا ندري مردّ هذا الإغفال!).
2- طائفة من الموظفين المحددة مستوياتهم عن طريق التنظيم: تطبيقا للمادة 6/4 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، صدر المرسوم الرئاسي رقم 06-415 المؤرخ في 22-11-2006، (جريدة رسمية عدد 74)، حدد المشرّع بموجبه كيفيات التصريح بالممتلكات بالنسبة للموظفين العموميين غير المنصوص عليهم في المادة 06 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته.
3. كيفيات التصريح
يجب على الموظفين العموميين غير المنصوص عليهم في المادة 6 المذكورة أعلاه، أن يكتتبوا التصريح بالممتلكات في أجل شهر من تاريخ تنصيبهم في وظائفهم، وذلك بالكيفية التالية:
- أمام السلطة الوصية بالنسبة للموظفين العموميين الذين يشغلون مناصب أو وظائف عليا في الدولة،
- أمام السلطة السلمية المباشرة، بالنسبة للموظفين العموميين الذين تحدد قائمتهم بقرار من السلطة المكلفة بالوظيفة العمومية.
تقوم كل من السلطة الوصية أو السلطة السلمية المباشرة المشار إليها آنفا بإيداع التصريحات مقابل وصل، لدى الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته، في آجال معقولة.
1- قائمة الأعوان العموميين المعنيين: حدد المشرّع قائمة الأعوان العموميين الملزمين بالتصريح بالممتلكات، بموجب قرار صادر عن الأمين العام للحكومة مؤرخ في 02-4-2007 (جريدة رسمية عدد 25)، تطبيقا لنص المادة 2 من المرسوم الرئاسي رقم 06-415، المحدد لكيفيات التصريح بالممتلكات بالنسبة للموظفين العموميين غير المنصوص عليهم في المادة 6 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، والمذكور أعلاه.
والقائمة هي كالآتي:
- وزارة المالية (أنظر الملحق الوارد ضمن قرار الأمين العام للحكومة المشار إليه أعلاه):
* المديرية العامة للضرائب: (منصب: مراقب، مفتش، مفتش رئيسي، مفتش مركزي، مفتش عام)،
* المديرية العامة للجمارك: (منصب: عون الرقاية، عريف، ضابط فرقة، ضابط الرقابة، مفتش رئيسي، مفتش عميد، مراقب عام)،
* المديرية العامة للأملاك الوطنية: (منصب: مراقب، مفتش، مفتش رئيسي، مفتش مركزي، مفتش عام)،
* المفتشية العامة للمالية: (منصب: مفتش المالية من الدرجة الأولى، مفتش المالية من الدرجة الثانية، المفتش العام للمالية، المفتش العام للمالية خارج الصنف)،
- وزارة التجارة: (منصب: مراقب، مفتش، مفتش رئيسي، رئيس المفتشين الرئيسيين، مفتش قسم)،
- وزارة العدل: (منصب: رئيس أمناء الضبط، أمين قسم الضبط، رئيس أمناء أقسام الضبط).
- وزارة الداخلية والجماعات المحلية:
* المديرية العامة للأمن الوطني (منصب: محافظ الشرطة، عميد الشرطة، عميد أول للشرطة).
- وزارة النقل: (منصب: مفتش، مفتش رئيسي، مفتش قسم، مفتش قسم رئيسي، ممتحن في رخص السياقة، ممتحن رئيسي في رخص السياقة)،
- وزارة الطاقة والمناجم: (منصب: مهندس دولة مكلف بشرطة المناجم، مهندس خبير مكلف بشرطة المناجم، مستوى أول (1)، مهندس خبير مكلف بشرطة المناجم، مستوى أول (2)، مهندس خبير مكلف بشرطة المناجم، مستوى أول (3))،
- وزارة الثقافة: (منصب: مفتش التراث الأثري والتاريخي والمتحفي في المكتبات والوثائق والمحفوظات، محافظ التراث الأثري، والتاريخي والمتحفي، ملحق الحفظ والإصلاح، محافظ رئيس المكتبات والوثائق والمحفوظات، محافظ المكتبات والوثائق والمحفوظات)،
- وزارة السياحة: (مفتش، مفتش رئيسي، مفتش مركزي، مفتش قسم)،
- وزارة الشباب والرياضة: (مفتش الرياضة، مفتش الشباب)،
- وزارة الشؤون الخارجية: (ملحق دبلوماسي، كاتب دبلوماسي، مستشار دبلوماسي، وزير مفوض)،
- وزارة العمل والضمان الاجتماعي: (مفتش عمل رئيسي، مفتش عمل مركزي، مفتش عمل قسمي، عون مراقب لصناديق الضمان الاجتماعي)،
- وزارة الفلاحة والتنمية الريفية: (مفتش بيطري، مفتش بيطري رئيسي، مفتش بيطري رئيسي مشرف، مراقب الصحة النباتية، مراقب رئيسي للصحة النباتية، مفتش الصحة النباتية، مفتش رئيسي للصحة النباتية، محافظ رئيسي للغابات، محافظ عام للغابات، مفتش قسم فرعي للغابات، مفتش قسم للغابات)،
- وزارة البريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال: (مفتش، مفتش رئيسي، مفتش رئيسي دائري، رئيس المفتشين الرئيسيين)،
- وزارة الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات: (طبيب مفتش، صيدلي مفتش، جراح أسنان مفتش)،
- رئاسة الجمهورية الأمانة العامة للحكومة المديرية العامة للوظيفة العمومية: (مفتش، مفتش رئيسي، مفتش مركزي، مفتش عام).
4. الحكمة من فرض التصريح بالممتلكات
الحكمة أو الغرض من التصريح بالممتلكات هو ضمان الشفافية في الحياة السياسية والشؤون العمومية وحماية الممتلكات العمومية وصون ونزاهة الأشخاص المكلفين بخدمة عمومية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يهدف هذا النظام إلى مراقبة تطور الذمّة المالية للموظف العمومي بعد توليه لمنصبه، ولتحديد إن كان هذا التطور تلفه شبهة الإثراء غير المشروع أو ما يطلق عليه التربح بالوظيفة، وهي جنحة الإثراء غير المشروع المجرّمة والمعاقب عليها بنص المادّة 37 من نفس قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، وهو يعني عجز الموظف العمومي عن تقديم تبرير معقول للزيادة المعتبرة التي طرأت في ذمته المالية مقارنة بمداخيله المشروعة.
ت- مدونات قواعد سلوك الموظفين العموميين
تمثل مدونات قواعد السلوك، بالإضافة إلى القواعد القانونية المختلفة الأخرى، الإطار الذي يضمن الأداء السليم والنزيه والملائم للوظائف العمومية والعهدات الانتخابية، والذي من شأنه أن يدعم الوقاية من الفساد ومكافحته، هذا ما يجب أن تعمل على تجسيده الدولة والمجالس المنتخبة والجماعات المحلية والمؤسسات والهيئات العمومية وكذا المؤسسات العمومية ذات النشاطات الاقتصادية، كما يجب عليها أن تعمل على أخلقة الحياة المهنية من خلال تشجيع النزاهة والأمانة وروح المسؤولية بين موظفيها ومنتخبيها. وبهذا الصدد، أقرّت المادّة 12 من هذا القانون وضع مدونة قواعد الأخلاقية للمهنة بغية تحصين سلك القضاة ضد مخاطر الفساد.
1. ماهية مدونات قواعد سلوك الموظفين
تعرف مدونات قواعد سلوك الموظفين أيضا بعبارة أخرى هي: ”أخلاقيات المهنة“، ويقصد بها علم الواجبات المعنوية التي تُفرَضُ على الموظف في مؤسسة ما، أيّ جماعة اجتماعية ملتفة حول مشروع مشترك، قائمة على التسلسل الهرمي، خاضعة إلى سلطة مكلفة بتحديد مبادئ العمل الواجبة الاحترام، تعرّض من خالفها إلى المتابعات التأديبية. (سعيد مقدم، الوظيفة العمومية بين التطور والتحول من منظور تسيير الموارد البشرية وأخلاقيات المهنة، بدون طبعة، د.م.ج، الجزائر، 2009-2010، ص 295).
كما تعني أخلاقيات المهنة أيضا، ممارسة المهام وفق قوانين الشرّف والاستقامة والنزاهة، بالإضافة إلى الالتزام بالتفرّغ لممارسة الوظيفة، بمعنى عدم الجمع بين أكثر من وظيفة، وكتمان السرّ المهني، كما يشترط أيضا في الموظف الاتصاف بجملة من السلوك الحميدة.
فمدونات قواعد سلوك الموظفين، تهدف إلى إرساء مبدأ "أخلقة الوظيفة" حيث أصبحت اليوم مبدأ أساسيا في عمل السلطات العمومية وسعيها لتقديم صورة عصرية وشفافة للحياة العمومية انطلاقا من الإدارة.
كما يقصد بالأخلقة، نظام للقيم السلوكية ذات العلاقة بالضمير المهني، الذي تتكامل معه، فأخلاقيات كل مهنة تهدف إلى القيام بالعمل والالتزام به عن قناعة وطواعية بما يحقق الخير للآخرين، والامتناع عن القيام به من شأنه إلحاق الضرر بهم.
ومن أجل ضبط هذه القيم السلوكية نادت الكثير من الاتفاقيات الدولية والقوانين إلى وضع ”مدونة لأخلاقيات المهن“ تلزم المنتمين لها عن قناعة ذاتية وضمير مهني.
2. النظام القانوني لمدونات قواعد السلوك
تعد مدونات قواعد السلوك من المواضيع التي تثير النقاش لا سيما من حيث تحديد الطبيعة القانونية لأحكامها، هل تعني للمخاطبين بها قواعد ملزمة وترتب على مخالتها جزاءات ما؟ أم هي مجرد نداء أو صيحات تخاطب الضمائر شأنها شأن القواعد الأدبية وقواعد الأخلاق؟
1- مدونات قواعد السلوك في الصفقات العمومية: وعلى هذا الأساس، لقد حرص المشرّع الجزائري في وضعه للنصوص التشريعية والتنظيمية المنظمة للصفقات العمومية على تجسيد جملة من المبادئ فيما يخص إبرام وتنفيذ الصفقات العمومية، واضعا نصب أعينه النصوص المرجعية التي احتوتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والقانون المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته سالف الذكر، فبخصوص أخلقة المعاملات المتعلقة بمجال الصفقات العمومية، فلقد تضمن المرسوم الرئاسي رقم 10-236 المؤرخ في 07-10-2010 المتعلق بتنظيم الصفقات العمومية، المعدل والمتمم، نصوص هامة تصبّ في هذا المنحى لعلّ أهمها، المادة 51 التي أدرج بموجبها المشرّع وثيقة تمضى من طرف المتعهد أو المتعامل المتعاقد تسمى ”التصريح بالنزاهة“ ضمن الوثائق الضرورية المكونة للعرض التقني الذي يعتبر أحد مشتملات العرض الذي يتقدم به المتعهد.
2- جزاء مخالفة مدونة قواعد السلوك في الصفقات العمومية: هذا الإجراء لا يغدوا كونه التزام أدبي، أو بمثابة تنبيه المتعامل الاقتصادي على ضرورة الالتزام الطوعي بالتشريع والتنظيم الجاري به العمل، والامتناع عن سلوكيات أصبحت لها تبعات إدارية وحتى جزائية، ومن هذا القبيل؛ إجراءات إدارية قد تصل إلـى حد إلغاء الصَّفْقَة أو العقد أو الملحق أو أيّ تدبير ردعي آخر مثل التسجيل في قائمة المتعاملين الاقتصاديين الممنوعين من المشاركة في الصفقات العمومية، وقد يصل الإجراء إلى حدّ الإقصاء من المشاركة في الصفقات العمومية، في حالة قيام أحد المتعاملين بمناورة تهدف إلـى تقديم وعد بمنح مكافئة أو امتياز لأحد الأعوان العموميين بمناسبة تحضير صفقة أو عقد أو ملحق أو التفاوض بشأن ذلك أو إبرامه أو تنفيذه، فهي إذن، لا تحل محل النصوص القانونية الواجبة التطبيق وإنّما هي أيّ -قواعد الأخلاق- مكملة لها.
أمّا المواد من 60 إلى 61 مكرر1، حيث تقرّر وضع مدونة أدبيات وأخلاقيات المهنة في مجال الصفقات العمومية، تُحدّد فيها حقوق وواجبات الأعوان العموميين عند مراقبة وإبرام وتنفيذ صفقة عمومية أو عقد أو ملحق.
ث- واجب الإخبار بتعارض المصالح
من باب الوقاية من الفساد أيضا، يلتزم الموظف العمومي بأن يخبر السلطة الرئاسية التي يخضع لها بتعارض مصالحه الخاصة مع المصلحة العام، أو يكون من شأن ذلك التأثير على ممارسته لمهامه بشكل عاد، أو كما جاء في نصّ المادّة 8 من قانون الوقاية من الفساد.
ولقد رتّب المشرّع على عدم قيام الموظف العمومي بهذا الإخبار المسؤولية الجزائية بنص المادّة 34 من قانون الوقاية من الفساد، حيث جرّم هذا التصرّف السلبي وقرّر له عقوبة الحبس من ستة (6) أشهر إلى سنتين (2) وبغرامة من 50.000 دج إلى 200.000 دج كل موظف عمومي لم يقم بواجب الإخبار الوارد في نصّ الماد 8 المشار إليها أعلاه.
علما أنّ المشرّع استعمل عبارة [...كل موظف عمومي خالف أحكام المادّة 9 من هذا القانون]. والواقع أنّ النصّ المقصود هو نصّ المادّة 8 وليس 9. ورد هذا السهر سواء النصّ باللغة الفرنسية أم باللغة العربية ولم ينتبه المشرّع لذلك بالرّغم من قيامه بإدخال تعديلين اثنين على هذا القانون سنتي 2010 و 2011، فنرجو الانتباه، يمكن المشرّع تدارك هذا السهو بإجراء بسيط يدرج في الجريدة الرّسمية تحت بند ”استدراك“. (احسن بوسقيعة، الوجيز في القانون الجزائي الخاص الجزء الثاني، الطبعة 12، دار هومه، الجزائر، 2012، ص 169. ولقد أثار الأستاذ أيضا مسألة عدم انسجام من حيث المعنى بين اللغتين الفرنسية والعربية لنص المادة 8 من قانون الفساد، لاسيما لفظ "تعارضت" ويقابله بالفرنسية لفظ "coïncident" ولقد أشار إلى اتفاقية الأمم المتحدة، حيث تضمنت لفظ "تضارب"، كما فسر لفظ "تعارض" بـ"التلاقي" أو "التطابق" وإذا ترجمناهما إلى اللّغة الفرنسية تعطينا المعاجم والقواميس على التوالي: "Rencontre" بمعنى لقاء، تلاق، اجتماع. و"La superposition" بمعنى التنضيد، وضع شيء على آخر، أمّا لفظ "coïncident" من اسم مصادفة، ومطابقة أيضا، وفعل صادف أو صدف.
أمّا من جهتنا، فإنّ لفظ "التعارض" فهو يتماشى تماما مع لفظ "التضارب" الوارد في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وهو يعني بالفرنسية "opposition" بمعنى مُخالفة، مُضادَّة، مُعارضة. طبعا مع الأخذ بعين الاعتبار المعاني من حيث اللّغة والاصطلاح، لكن مع ذلك فإنّ لفظ "تعارضت" أو "تضاربت" فإنّها تؤدي نفس المعنى وهو ينطبق مع الحال والموظف العمومي يكون مثلا عضوا في لجنة تقييم العروض وأنّ أحد العارضين أو المتعهدين المشاركين في المناقصة محل تقييم، تربطه به شراكة مثلا، أو قرابة قوية مما قد يحول ذلك دون قيام الموظف العمومي بواجبه على أحسن وجه. وأنّ التعارض أو التضارب في المصلحة يقع في صورة أنّ مصلحة هذا تحصل على حساب مصلحة ذاك، أيّ كما في هذا المثال أنّ الموظف قد يقع في حرج شديد من جهة الشريك أو القريب إذا قام بواجبه ورجّح المصلحة العامة التي لا تتماشى ومصلحة المتعهد حيث يكلّفه ذلك خسارة بينة، في هذه الحالة نحن أمام حالة تعارض في المصالح أيّ مصلحتين متضادتين، وليس في حال تماش أو تطابق، ويقع في الشبهة إذا وقف مع مصلحة الشريك أو القريب ضد المصلحة العامة، وفي هذه الحالة من الأفضل له إخطار السلطة السلمية لإعفائه من عضوية هكذا مجلس مؤقتا ويستبدل بعضو إضافي آخر لتفادي هذا الظرف).
ج- إبرام الصفقات العمومية
نصّ قانون الفساد في مادة التاسعة على ضرورة قيام الإجراءات العمول بها في هذا المجال على قواعد الشفافية والنزاهة والمنافسة الشريفة وعلى معايير موضوعية، ويجب أن تكرس هذه القواعد جملة من المبادئ، وهي: علانية المعلومات المتعلقة بإجراءات إبرام الصفقات العمومية، الإعداد المسبق لشروط المشاركة والانتقاء، إدراج التصريح بالنزاهة عند إبرام الصفقات العمومية، معايير موضوعية ودقيقة لاتخاذ القرارات المتعلقة بإبرام الصفقات العمومية، ممارسة كل طرق الطعن في حالة عدم احترام قواعد إبرام الصفقات العمومية. (علما أنّنا قد شرحنا هذه المبادئ في الفصل الثاني من الجزء الأول من هذا الكتاب).
ح- تسيير الأموال العمومية والشفافية في التعامل مع الجمهور
وفقا لنص المادّة 10 و 11 من هذا القانون، ومن أجل التسيير الحسن للمال العام، يلزم اتحاذ تدابير تدعم الشفافية والمسؤولية والعقلانية، خصوصا عند إعداد ميزانية الدولة وتنفيذها. ولتحقيق هذا الغرض، يتعين على المؤسسات والإدارات والهيئات العمومية أن تلتزم باعتماد إجراءات وقواعد تمكن الجمهور من الحصول على معلومات تتعلق بتنظيمها وسيرها، وكيفية اتخاذ القرارات فيها، تبسيط الإجراءات الإدارية، نشر معلومات تحسيسية عن مخاطر الفساد في الإدارة العمومية، الردّ على عرائض وشكاوى المواطنين، تسبيب قراراتها عندما تصدر في غير صالح المواطن وبتبيين طرق الطعن المعمول بها.
خ- في القطاع الخاص
لم يفلت القانون القطاع الخاص من تدابير الوقاية، وفقا للمادة 13 منه، أقرّت بضرورة اتخاذ التدابير لمنع ضلوع القطاع الخاص في الفساد، وتحصينها بجزاءات تأديبية تضمن احترامها، من قبيل هذه التدابير: تعزيز التعاون بين الأجهزة التي تقوم بالكشف والقمع وكيانات القطاع الخاص المعنية...
د- معايير المحاسبة
وفقا للمادة 14 من القانون، يجب أن تساهم معايير المحاسبة وتدقيق الحسابات المعمول بها في القطاع الخاص في الوقاية من الفساد، وبذلك بمنع مسك حسابات خارج الدفاتر، إجراء معاملات دون تدوينها في الدفاتر أو تبيينها بصورة واضحة، عموما، احترام ما نصّت عليه أحكام القانون التجاري في هذا الخصوص.
ذ- مشاركة المجتمع المدني وتدابير منع تبييض الأموال
وفقا لنص المادّة 15 من هذا القانون، وبغية تشجيع مشاركة المجتمع المدني في الوقاية من الفساد ومكافحته، يجب اعتماد الشفافية في كيفية اتخاذ القرار وتعزيز مشاركة المواطنين في تسيير الشؤون العمومية، إعداد برامج تعليمية وتربوية وتحسيسية بمخاطر الفساد على المجتمع، تمكين وسائل الإعلام والجمهور من الحصول على المعلومات المتعلقة بالفساد، مع مراعاة حرمة الحياة الخاصة. أمّا تدابير منع تبييض الأموال نصّت المادّة 16 على ضرورة خضوع المصارف والمؤسسات المالية غير المصرفية حتّى ولو كانوا أشخاصا طبيعية أو اعتبارية تقدم خدمات نظامية أو غير نظامية في مجال تحويل الأموال أو كل ما له قيمة، أن تخضع لنظام رقابة داخلي من شأنه منع وكشف جميع أشكال تبييض الأموال وفقا للتشريع الجاري به العمل.
المطلب الثاني: مكافحة الفساد (التجريم والعقاب)
أمّا الشق الثاني المتعلق بالتصدي لظاهرة الفساد، فهو مكرس لأسلوب التجريم والعقاب في حالة ما إذا لم يمتثل أصحاب الصفة لمقتضيات التشريع والتنظيم المتعلق بتسيير الشأن العام، بصفة عامة واحترام التشريع والتنظيم المتعلق بالصفقات العمومية على وجه الخصوص، هذا ما سنتناوله بالدراسة في الفصلين التاليين.
الفرع الأول: التجريم
بينت العديد من تقارير الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة العاملة في مجال مكافحة الفساد الدور الإيجابي والفعال للتدابير الوقائية إذا قامت الجهات القائمة على إنفاذ القانون أيّ السلطات التنفيذية في البلاد على مختلف مستوياتها، لكن يبقى هناك دائمة فئة لا ينفع معها نداء الضمير أو التدابير الاحترازية، نظرا لما تتمتع به من نفوذ، من جهة، وضعف منظومة الرقابة المختلفة على مستوى الدولة، هذا من جهة أخرى.
بناء عليه، لا مفر من انتهاج للأسلوب الرّدعي، علّه يخفّف من تغول الفساد وانتشاره في جسم العمل العام والخاص، لذلك عمل المشرّع على سن منظومة تجريم ومتابعة لمجموعة من الأعمال الماسّة بالمال العام والحياة العامة والسير الحسن للعدالة، ضمن قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، ولقد أوردها ضمن الباب الرّابع تحت عنوان ”التجريم والعقاب وأساليب التحرّي الخاصة“.
أ- أنواع جرائم الفساد
لقد تنوعت جرائم الفساد وتعدّدت، وإن جمع بينها الطبيعة القانونية، حيث انحصرت في كونها جنح على اختلاف خطورتها وعقوباتها المقرّرة لكل نوع منها، التي كانت دوما المعيار الحاسم في تصنيف الجرائم من جنايات، جنح ومخالفات.
1- رشوة الموظفين العموميين المجرمة بنص المادّة 25، ولقد تفرّع عنها نوعان من الجرائم، تطرّقت الفقرة الأولى منها، وهي الرّشوة الإيجابية وتعني وعد موظف عمومي بمزية غير مستحقة أو عرضها عليه...، أمّا الفقرة الثانية من نصّ المادّة، تناولت الرّشوة السلبية، و تعني طلب الموظف العمومي أو قبوله مزية غير مستحقة...،
2- الامتيازات غير المبررة في مجال الصفقات العمومية، وتتفرع عنها صورتان من الجريمة، الأولى، جريمة المحاباة المعبّر عنها في نصّ المادّة 26 الفقرة الأولى. (آخر تعديل لهذا القانون كان في شهر أوت 2011 بموجب القانون رقم 11-15 المؤرخ في 02-8-2011، ج.ر عدد 44، حيث مسّ التعديل المادتين 26 و 29 من القانون رقم 06-01 المشار إليه أعلاه). بمنح امتيازات للغير غير مبررة عمدا، عند إبرام أو تأشير عقد أو اتفاقية أو صفقة أو ملحق مخالفة للأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بحرّية الترشّح والمساواة بين المترشّحين وشفافية الإجراءات، أمّا الصورة الثانية، وهي جنحة استغلال نفوذ الأعوان العموميين بغرض أخذ مزايا غير مبرّرة المجرّمة والمعاقب عليها بنص المادّة 26 الفقرة الثانية من نفس القانون،
3- جنحة الرّشوة في مجال الصّفقات العمومية المجرّمة والمعاقب عليها بموجب المادة 27 من نفس القانون،
4- رشوة الموظفين العموميين الأجانب وموظفي المنظمات الدولية، ويدخل تحت هذا الإطار جريمتان مجرّمتان بموجب نصّ المادّة 28، تناولت الفقرة الأولى منها جريمة رشوة الموظف العمومي الأجنبي أو موظف تابع لمنظمة دولية عمومية، وهو ما يعرف فقها بالرّشوة الإيجابية، أمّا الفقرة الثانية منها، فتناولت جريمة الرّشوة السلبية في حق الموظف العمومي الأجنبي أو موظف منظمة دولية عمومية، إذا طلب أو قبل مزية غير مستحقة، بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء لنفسه أو لصالح شخص أو كيان آخر، لكي يقوم بأداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل من واجباته.
5- جريمة اختلاس الممتلكات من قبل موظف عمومي أو استعمالها على نحو غير شرعي، المجرّمة والمعاقب عليها بموجب نصّ المادّة 29 من هذا القانون. (عدّلت بموجب القانون رقم 11-15 المؤرخ في 02-8-2011، ج.ر عدد 44، حيث تم إعادة صياغة النص من حيث النشاط الإجرامي، أمّا المناسبة، فلقد تمّ إفراد لفظ الوظيفة ليصبح "وظيفته" بدلا من "وظائفه")،
6- جريمة الغدر، المجرمة والمعاقب عليها بموجب نصّ المادّة 30 من نفس القانون وهي موجهة عامة ضد موظفي المالية عامة، لاسيما الضرائب، الجمارك، أو كل موظف عمومي يطالب أو يتلقى أو يشترط أو يأمر بتحصيل مبالغ مالية يعلم أنّها غير مستحقة الأداء أو يجاوز ما هو مستحق...
7- جريمة الإعفاء والتخفيض غير القانوني في الضريبة والرسم، المجرمة والمعاقب عليها بموجب المادّة 31 من نفس القانون، ضد كل موظف عمومي يمنح أو يأمر بالاستفادة، تحت أيّ شكل من الأشكال، ولأيّ سبب كان، ودون ترخيص من القانون، من إعفاءات أو تخفيضات في الضرائب أو الرسوم العمومية أو يسلم مجانا محاصيل مؤسسة الدولة.
8- جريمة استغلال النفوذ، المجرمة والمعاقب عليها بموجب نصّ المادّة 32 من نفس القانون، وهي تتفرع بدورها إلى قسمين، استغلال النفوذ الإيجابي، حيث تناولته الفقرة الأولى من هذه المادّة، أمّا استغلال النفوذ السلبي، فتناولته الفقرة الثانية. (جريمة استغلال النفوذ بصورتيها تشبه إلى حدّ بعيد جريمة الرّشوة بصوريتها أيضا، إذ تلتقيان كلتاهما عند متاجرة الموظف العمومي بوظيفته، أمّا الفرق بينهما، فهو من حيث الغرض والهدف من استغلال الوظيفة، ولقد ميز قضاء النقض في الجزائر بين جريمي الرشوة واستغلال النفوذ في قرار للمحكمة العليا صدر في 11 جوان 1981، حيث جاء فيه، أنّ ”جريمة الرّشوة تتحقق متى طلب الموظف أو من في حكمه أو استجاب لطلب يكون الغرض منه الارتشاء مقابل قيامه معمل من أعمال وظيفته... في حين أنّ جريمة استغلال النفوذ تستلزم لتحققها أن يستعمل الشخص نفوذه لدى إحدى المصالح العمومية لتمكين الغير من الحصول على فائدة أو امتياز مقابل وعد أو عطاء أو هبة أو هدية“. ذكره الاستاذ احسن بوسقيعة في الوجيز في القانون الجزائي الخاص، ج2، الطبعة الثانية عشر، 95).
9- إساءة استغلال الوظيفة، وهي المجرمة والمعاقب عليها بموجب نصّ المادّة 33 من هذا القانون.
10- تعارض المصالح، هي المجرمة والمعاقب عليها بموجب نصّ المادّة 34 من هذا القانون. ولقد سبق الإشارة إلى هذه الجريمة.
11- أخذ فوائد بصفة غير قانونية، والجريمة المعقب عليها بنص المادّة 35 من هذا القانون.
12- عدم التصريح أو التصريح الكاذب بالممتلكات، والفعل المجرم والمعقب عليه بموجب نصّ المادّة 36 من هذا القانون.
13- الإثراء غير المشروع، وهو الفعل المجرم والمعاقب عليه بموجب نصّ المادّة 37 من هذا القانون.
14- تلقي الهدايا، وهو الفعل المجرم والمعاقب عليه بموجب المادّة 38 من هذا القانون.
15- التمويل الخفي للأحزاب السياسية، وهي الجريمة المعاقب عليها بموجب نصّ المادّة 39 من هذا القانون، وهي جريمة مستحدثة.
16- الرشوة في القطاع الخاص، وهي الجريمة المعاقب عليها بموجب نصّ المادّة 40، وهي بدورها تنقسم إلى قسمين، رشوة إيجابية ورشوة سلبية، شأنها شأن رشوة الموظف العمومي، وهي أيضا جريمة جديدة في التشريع الجزائري.
17- اختلاس الممتلكات في القطاع الخاص، الجريمة المعاقب عليها بموجب نصّ المادّة 41 من هذا القانون، وهي أيضا مستحدثة.
18- تبييض العائدات الإجرامية، وهي الجريمة المعاقب عليها بموجب نصّ المادّة 42 من هذا القانون، وهي تهدف لمعاقبة كل من يبيض العائدات الإجرامية الناتجة عن جريمة أو أكثر من جرائم الفساد.
19- الإخفاء، وهي الجريمة المعاقب عليها بنص المادّة 43 من هذا القانون، وهي تهدف إلى ردع كل من يقوم بإخفاء عمدا كلا أو جزءا من العائدات المتحصل عليها من إحدى جرائم الفساد.
20- إعاقة السير الحسن للعدالة، وهي الجريمة المعاقب عليها بموجب نصّ المادّة 44 من هذا القانون، وهي تنقسم إلى ثلاثة (3) صور، أولا: جريمة استخدام القوة البدنية أو التهديد أو الترهيب أو الوعد بمزية غير مستحقة أو عرضها أو منحها للتحريض على الإدلاء بشهادة زور أو منع الإدلاء بالشهادة أو تقديم الأدلة في إجراء يتعلق بارتكاب أفعال مجرمة وفقا لهذا القانون، ثانيا: استخدام القوة البدنية أو التهديد أو الترهيب لعرقة سير التَّحرِّيات الجارية بشأن الأفعال المجرمة وفقا لهذا القانون، ثالثا: الرفض عمدا ودون تبرير تزويد الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالوثائق والمعلومات المطلوبة.
21- الأفعال التي ترمي إلى الانتقام أو الترهيب أو التهديد بأية طريقة كانت أو بأيّ شكل من الأشكال ضد الشهود أو الخبراء أو الضحايا أو المبلّغين أو أفراد عائلاتهم وسائر الأشخاص الوثيقي الصلة بهم، المجرمة والمعاقب عليها موجب نصّ المادّة 45 من هذا القانون، هذا التجريم يهدف إلى حماية الشهود والخبراء والمبلغين والضحايا، وهو يهدف إلى تعزيز مكافحة الفساد.
22- جريمة البلاغ الكيدي، والأفعال التي يقوم كل شخص يقوم عمدا وبأية طريقة كانت بتبليغ السلطات المختصّة ببلاغ كيدي يتعلق بجرائم الفساد ضد شخص أو أكثر، وهي الأفعال المجرّمة والمعاقب عليها بموجب نصّ المادّة 46 من هذا القانون.
23- جريمة عدم التبليغ عن الجرائم، وهي الناتجة عن عدم قيام أيّ شخص يعلم بحكم مهنته أو وظيفته الدائمة أو المؤقتة بوقوع جريمة أو أكثر من جرائم الفساد، بتبليغ السلطات المختصّة في الوقت الملائم، وهي الأفعال المجرمة والمعاقب عليها بموجب المادّة 47 من هذا القانون.
إذن، فمجوع الجرائم المتعلقة بالفساد، هو ثلاثون (30) جريمة وفقا للمنهجية المتبعة من طرف المشرّع الجزائري، التي اعتمدت على تقسيم بعض الجرائم إلى صورتين أو أكثر، على غرار جريمة الرّشوة في القطاعين العام والخاص، المنقسمة إلى رشوة إيجابية ورشوة سلبية، وجريمة استغلال النفوذ، بالإضافة إلى التجريم الذي يرمي إلى حماية الشهود والخبراء والمبلغين والضحايا الذي استحدث ثلاثة صور من الجريمة.
تجدر الإشارة إلى أنّ المشرّع بموجب قانون الفساد، لاسيما المادّة 71 و 72 منه، قد ألغى 18 مادة من قانون العقوبات واستبدل 14 منها بمواد أخرى وردت ضمنه، ذلك بغية الإحاطة بجميع صور الفساد تماشيا مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ودائما في هذا الصدد، لقد تم استحداث جرائم جديدة لم يسبق للتشريع الجزائري أن عرفها، كما سبق لنا أن أشرنا إليه، لكن لا بأس من إعادة ذكرها وهي على الخصوص: رشوة الموظفين العموميين الأجانب وموظفي المنظمات الدولية العمومية، التمويل الخفي للأحزاب السياسية، عدم التصريح أو التصريح الخاطئ للممتلكات، استغلال الوظيفة، الإثراء غير المشروع، تلقي الهدايا، تعارض المصالح، وفي الأخير الجرائم المتعلقة بالأفعال التي ترمي إلى الانتقام أو الترهيب أو التهديد بأية طريقة كانت أو بأيّ شكل من الأشكال ضد الشهود أو الخبراء أو الضحايا أو المبلّغين أو أفراد عائلاتهم وسائر الأشخاص الوثيقي الصلة بهم.
الفرع الثاني: العقــــاب
أمّا الشقّ المتعلق بالعقاب كأسلوب متبع من طرف المشرّع في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، فإنّه يمكن استنتاج عدّة ملاحظات هامة، فمن حيث الطبيعة القانونية للجرائم، فإنّ المشرّع لجأ إلى تجنيح جميع جرائم الفساد، بالرّغم من أنّ بعضها كان ضمن قانون العقوبات في السابق ذي طبيعة جنائية، لعلّ الحكمة من انتهاج هذا الأسلوب تكمن أساسا في تسريع إجراءات المتابعة الجزائية، حيث تتميز الجنح بمرونة وسرعة الفصل فيها قياسا بالجرائم المكيفة جنايات، نظرا لما تتصل به نتائج المحاكمة من إجراءات متعلقة بآثار الفساد، حيث ينبغي اتخاذ تدابير استرداد متحصلات الجرائم وفسخ العقود والصفقات.
بالإضافة إلى أنّ المتابعة الجزائية للموظف العمومي لها أثر على ممارسته لمهامه، ففي حالة عدم ثبوت التهمة على المتهم وبُرِّءَ من الجريمة المتابع بها، فإنّه يستأنف مهامه بشكل عادي، أمّا في حالة الجنايات التي تستمر أحيانا لسنوات طويلة حتّى تصل القضية إلى حكم نهائي مستوفي لجميع طرق الطعن، فإنّه قد يمرّ زمن طويل مما يُكلف الخزينة العمومية أموالا طائلة أخرى للتعويض عن الحبس المؤقت وكذلك الأضرار الناجمة عن التوقيف التحفظي عن ممارسة الوظيفة.
أ- الظروف المشدّدة
أمّا الظروف المشدّدة، فلقد لجأ المشرّع إلى تشديد العقوبة على مرتكب إحدى جرائم الفساد وكان ممن يمارس وظيفة عليا في الدولة، أو ضابطا عموميا، أو عضوا في الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، أو ضابطا أو عونا للشرطة القضائية، أو ممن يمارس بعض صلاحيات الشرطة القضائية، أو موظف أمانة ضبط، حيث حدّد عقوبة الحبس من عشر (10) سنوات إلى عشرين (20) سنة وبنفس الغرامة المقررة للجريمة المرتكبة.
ب- الإعفاء والتخفيف من العقوبة
وكإجراء يهدف إلى تسهيل التحقيقات للتوصل إلى مرتكبي إحدى جرائم الفساد، أقرّ المشرّع الاستفادة من الأعذار المعفية من العقوبات، حيث أقرّ قواعد إعفاء والتخفيف من العقوبة على الشكل التالي:
1- حالة الإعفاء من العقوبة
ففي حالة الإعفاء من العقوبة حسب الأوضاع المقررة في القواعد العامة لقانون العقوبات، يستفيد منها الشخص الذي يكون قد ارتكب أو شارك في جريمة أو أكثر من جرائم الفساد، إلاّ أنّه قام قبل وقبل مباشرة أي إجراء من إجراءات المتابعة بإبلاغ السلطات الإدارية أو القضائية أو الجهات المعنية، عن الجريمة وساعد على معرفة مرتكبيها. (المادة 49/1 من القانون رقم 06-01 المذكور).
2- حالة التخفيف من العقوبة
أمّا بخصوص امكانية تخفيف العقوبة إلى النصف، فهي ممكنة لكل شخص يكون قد ارتكب أو شارك في إحدى الجرائم المنصوص عليها في قانون الفساد، ولكنه، بعد مباشرة إجراءات المتابعة، ساعد في القبض على شخص أو أكثر من الأشخاص الضالعين في ارتكابها (المادة 49/2 من نفس القانون).
ت- العقوبات التكميلية
ورد في نص المادة 50 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته: [في حالة الإدانة بجريمة أو أكثر من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، يمكن الجهة القضائية أن تعاقب الجاني بعقوبة أو أكثر من العقوبات التكميلية المنصوص عليها في قانون العقوبات] (العقوبات التكميلية المذكورة في المادّة 9 من قانون العقوبات الجزائري، هي: المنع من الإقامة، تحديد الإقامة، الحرمان من ممارسة الحقوق المدنية والوطنية، سحب جواز السفر والنشر أو التعليق لحكم الإدانة).
ث- تجميد وحجز ومصادرة العائدات والأموال غير المشروعة
وفقا لنص المادّة 50/1، بقرار قضائي أو بأمر من سلطة مختصة، يمكن تجميد أو حجز (يقصد بـ"التجميد" أو "الحجز" في مفهوم هذا القانون، فرض حضر مؤقت على تحويل الممتلكات أو استبدالها أو التصرّف فيها أو نقلها، أو تولي عهدة الممتلكات أو السيطرة عليها مؤقتا، بناء على أمر صادر عن محكمة أو سلطة مختصة أخرى. حسب البند "ح" من المادّة 2 من قانون الفساد) العائدات والأموال غير المشروعة الناتجة عن ارتكاب جريمة أو أكثر من جرائم الفساد. أمّا الفقرة 2 من نفس المادّة من القانون رقم 06-01 المشار إليه أعلاه جاء فيها ما يلي: [في حالة الإدانة بالجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، تأمر الجهة القضائية بمصادرة العائدات والأموال غير المشروعة، وذلك مع مراعاة حالات استرجاع الأرصدة أو حقوق الغير حسن النية] (يقصد بـ"المصادرة"، التجريد الدائم من الممتلكات بأمر صادر عن هيئة قضائية. البند "ط").
بالإضافة إلى ذلك، ووفقا للفقرة الثالثة من نصّ المادّة 51، يمكن الجهة القضائية أن تقضي أيضا برد ما تمّ اختلاسه أو قيمة ما حصل عليه من منفعة أو ربح، حتّى ولو انتقلت إلى أصول الشخص المحكوم عليه أو فروعه أو إخوته أو زوجه أو أصهاره سواء بقيت تلك الأموال على حالها أو وقع تحويلها إلى مكاسب أخرى.
ج- إبطال العقود والصفقات والبراءات والامتيازات والتراخيص
ومن أثار الحكم بالإدانة في جريمة أو أكثر من جرائم الفساد ووفقا لنص المادة 55، إنّ كل عقد أو صفقة أو براءة أو امتياز أو ترخيص استفاد منه الغير نتيجة ارتكاب إحدى الجرائم الواردة في قانون الفساد، للقاضي أن يحكم ببطلانه وبالتالي انعدام آثاره، أي كأنه لم يكن، مع مراعاة حقوق الغير حسن النية.
ح- المشاركة والشروع ومسؤولية الشخص الاعتباري
وفقا للقواعد المقررة في القواعد العامة للعقوبات، فإنّه ووفقا لأحكام المادّة 52 و 53 على التوالي من قانون الفساد، على التوالي، تطبق الأحكام المتعلقة بالمشاركة والشروع، كما تطبق أيضا أحكام المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي بمناسبة ارتكاب إحدى الجرائم المتعلقة بالفساد.
علما أنّ المتابعة الجزائية للشخص المعنوي الخاص، لا تتقرر إلاّ إذا اقترنت مع متابعة نائبه أيّ الشخص الطبيعي الذي يديره.
الفرع الثالث: قواعد خاصة في المتابعة الجزائية
نظرا للطابع الخاص لجرائم الفساد والمتميز، والذي يرجع في اعتقادنا إلى ارتباط هذا النظام من التجريم بأحكام وقواعد مكرسة في قواعد القانون الدولي، لاسيما الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد، وعليه سوف تركز على عنصرين هامين في المتابعة الجزائية، يتعلق الأول بقواعد تقادم الدعوى العمومية، أمّا الثاني فهو وثيق الصلة بإجراءات البحث والتحري عن جرائم الموصوفة بالفساد.
1- أساليب التحرّي الخاصة
تعتبر جرائم الفساد من الجرائم الخطيرة على الدولة والمجتمع معا، فكم من حضارة انتثرت بفعل الفساد ولم تسقط بفعل العدوان الخارجي أو الداخلي غلى غرار الإرهاب مثلا، لئن كان العدوان يزيد من تقوية الروابط الداخلية ويُحفّزُ الدولةَ والمجتمعَ على التماسك والإبداع في الإعداد للعدو من حيث العدّةِ العددِ، فإنّ الفساد يكرّس الفرقة والخصومة في المجتمع، وينتج طبقة من الطفيليين تشجع عدم الكفاءة وتنشر الرذيلة وقيم الرّبح السهل على حساب العمل والابتكار.
لذلك، سلك المشرّع الجزائري مسلك الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد بانتهاج لوسائل البحث والتحري على قدر خطورتها على حقوق الإنسان، فهي في غاية من الأهمية في مجال التحقيقات الجنائية.
ولقد استهل المشرّع في نصّ المادّة 56 من قانون الفساد، بذكر العلة قائلا، ”من أجل تسهيل جمع الأدلة المتعلقة بالجرائم المنصوص عليها في هذا القانون...“ لهذه الأسباب قرّر المشرّع اللجوء إلى وسائل جديدة للبحث والتحري عن الجرائم، ومن هذه الوسائل: التسليم المراقب ("التسليم المراقب": هو الإجراء الذي يسمح لشحنات غير مشروعة أو مشبوهة بالخروج من الإقليم الوطني أو المرور أو دخوله بعلم من السلطات المختصّة وتحت مراقبتها، بغية التحرّي عن جرم ما وكشف هوية الأشخاص الضالعين في ارتكابه. هذا التعريف حسب البند "ك" من المادّة 2 من قانون الفساد)، أو اتباع أساليب تحر خاصة كالترصد الالكتروني والاختراق (سنفصل في هذه المصطلحات عنما نعالج الجانب الإجرائي من هذه الدراسة في الفصل الثاني).
ونظرا لخطورة هذه الوسائل على حرمة الحياة الخاصة (جريمة التعدّي على حرمة المحادثات الشخصية، مقالة بقلم الدكتور أحمد صالح علي، نشرت بالمجلة الجزائرية للعلوم القانونية الاقتصادية والسياسية، عدد 01/2013) التي كفلها الدستور الجزائري والمواثيق الدولية، قيد المشرّع الضبطية القضائية في اللجوء إلى مثل هذه الإجراءات باستصدار إذن قضائي، من وكيل الجمهورية في حالة التحقيق التحضيري أو قاضي التحقيق في مرحلة التحقيق القضائي (أنظر المادّة 65 مكرر5 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري). أمّا الأدلة المتحصل عليها جرّاء اللجوء لمثل هذه الوسائل، فلقد قرر لها المشرّع الحجية القانونية وفقا للتشريع والتنظيم الجاري به العمل، هذا وفقا لنص المادّة 56/2.
2- التقادم
القواعد العامة المنظمة لتقادم الدعوى العمومية تناولتها المواد 7، 8، 8 مكرر، 8 مكرر1 و 9 من قانون الإجراءات الجزائية، ولقد قرّرت المادّة 54 من قانون الفساد أنّ قواعد التقادم المطبقة على قضايا الفساد كأصل عام هي القواعد العامة، وما دامت جرائم الفساد مكيّفة على أنّها جنح كما بيّنا أعلاه، وذلك بإعمال معيار العقوبة التي حصرها المشرّع في الحبس وليس السجن بالرّغم من أنّ بعض العقوبات الأصلية قد تصل إلى عشر (10) سنين.
وعليه، فإنّ تقادم الدعوى في جرائم الفساد يخضع إلى أحكام المادّة 8 من ق.إ.ج التي جعلت الدعوى تتقادم في مادة الجنح بمرور ثلاث (3) سنوات كاملة (المادّة 8 من قانون الإجراءات الجزائية: [تتقادم الدعوى العمومية في مواد الجنح بمرور ثلاث سنوات كاملة. ويتبع في شأن التقادم الأحكام الموضحة في المادّة 7])، تسري من يوم اقتراف الجريمة (أنظر المادّة 8 من نفس القانون).
أمّا الحالات الاستثنائية، فهناك حلاتان:
1- الاستثناء الأول: عدم تقادم الدعوى العمومية ولا العقوبة
تكون الدعوى العمومية غير قابلة للتقادم وحتى العقوبة (مصطفى يوسف، التقادم الجنائي وأثره الإجرائي والموضوعي، دار الكتب القانونية ودار شتات، بدون طبعة، مصر، 2010، ص 163 وما بعدها)، في الجرائم المنصوص عليها في قانون الفساد، في حالة ما إذا تمّ تحويل العائدات الناتجة عن تلك الجرائم إلـى خارج الإقليم الوطني (المادّة 54/1 من القانون رقم 06-01 المذكور أعلاه).
2- الاستثناء الثاني: مدّة تقادم الدعوى العمومية مساوية للحد الأقصى للعقوبة المقررة للجريمة
أمّا في هذه الحالة، فإن المشرّع قرر في نصّ المادّة 54/3 أن تكون مدّة تقادم الدعوى العمومية مساوية للحد الأقصى للعقوبة المقررة للجريمة المنصوص عليها في المادّة 29 من قانون الفساد وهي الحريمة المتعلقة باختلاس الممتلكات من قبل الموظف العمومي أو استعمالها على نحو غير شرعي وهي الجريمة المعاقب عليها بالحبس من سنتين (02) إلـى عشر (10) سنوات وبغرامة من 200000 دج إلـى 1000000 دج.
وعليه، لا تنقضي الدعوى العمومية في هذه الجنحة إلاّ بعد مرور عشر (10) سنوات من يوم ارتكاب الجريمة، وهي بذلك تكون قد تشابهت مع الجريمة الموصوفة بجناية من حيث مدّة تقادم الدعوى العمومية.
الفرع الرّابع: التعاون الدولي واسترداد الموجودات
أ- التعاون القضائي
أرسى المشرّع الجزائري على ضوء نصّ المادّة 57 من قانون الفساد، في ظل احترام مبدأ المعاملة بالمثل وفي حدود ما تسمح به المعاهدات والاتفاقات والترتيبات المعنية والتشريع الجاري به العمل، قواعد علاقات تعاون قضائي على أوسع نطاق ممكن، لا سيما مع الدول الأطراف في الاتفاقية فيما يخص التحرّيات والمتابعات والإجراءات القضائية المتعلقة بجرائم الفساد.
ب- منع وكشف وتحويل العائدات الإجرامية
من هذه القواعد، سن أحكام من شأنها منع وكشف وتحويل العائدات الإجرامية، وهذا وفقا لأحكام نصّ المادّة 58 من هذا القانون.
ت- التعامل مع المصارف والمؤسسات المالية
حيث أرست المادّة 59 من قانون الفساد أحكاما ترمي إلى منع تحويل عائدات الفساد وكشفها، وعليه لا يسمح بأن تنشأ بالإقليم الجزائري مصارف افتراضية أو وهمية لا يمكن مراقبتها، كما لا يسمح للمصارف والمؤسسات المالية المنشأة في الجزائر بإقامة علاقات مع مؤسسات مالية أجنبية تسمح باستخدام حساباتها من طرف مصارف ليس لها حضور مادي ولا تنتسب إلى مجموعة مالية خاضعة للرّقابة.
ث- تقديم المعلومات
أمّا من حيث تبادل المعلومات، فوفقا لنص المادّة 60 من قانون الفساد، تسمح للسلطات الوطنية المماثلة أن تمدّ السلطات الأجنبية المختصّة بالمعلومات المالية المفيدة المتوفرة لديها، بمناسبة التحقيقات الجارية على إقليمها، وفي إطار الإجراءات المتخذة بغرض المطالبة بعائدات الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، واسترجاعها. كما يمكن، وفي إطار التعاون الخاص وفقا لنص المادّة 69 من هذا القانون، أن تبلّغ معلومات خاصة بالعائدات الإجرامية إلى أية دولة طرف، دون طلب منها عندما يتبين أنّ هذه المعلومات منتجة لأثار في التحقيقات التي يمكن أن تفضي إلى تقديم الدولة طلب المصادرة.
ج- الحساب المالي المتواجد بالخارج
أمّا المادّة 61، وبخصوص الحساب المالي المتواجد بالخارج، فلقد قررت إلزام الموظفين العموميين الذين لهم مصلحة في حساب مالي في بلد أجنبي أو حق أو سلطة توقيع أو سلطة أخرى على ذلك الحساب، بأن يبلغوا السلطات المعنية عن تلك العلاقة، وأن يحتفظوا بسجلات ملائمة تتعلق بتلك الحسابات، وذلك تحت طائلة المسؤولية المهنية والجزائية.
ح- تدابير الاسترداد المباشر للممتلكات
وفقا لنص المادّة 62 من هذا القانون تقرير الاختصاص القضائي للمحاكم الجزائرية للنظر في الدعاوى المدنية المرفوعة من طرف الدول الأعضاء في الاتفاقية، في إطار الدعوى المدنية التبعية المتعلقة بقضايا الفساد، لتقرير حق الدول المتضررة، الحكم لها بالتعويض، إصدار قرارات المصادرة، وحتى تدابير من شأنها حفظ حقوقها.
خ- استرداد الممتلكات عن طريق التعاون الدولي في مجال المصادرة
تطبيقا لأحكام المادّة 63 تنفذ الأحكام الأجنبية القاضية بمصادرة ممتلكات انجرّت عن إحدى جرائم الفساد على الإقليم الجزائري، طبقا للتشريع الجاري به العمل. حتّى في غياب مثل هكذا أحكام، يمكن للقضاء الجزائري أن يأمر بمصادرة الممتلكات الأجنبية المتأتية من جرائم الفساد أثناء النظر في قضايا تبييض الأموال أو جريمة أخرى، وهذا حتّى في حالة انعدام الإدانة بسبب انقضاء الدعوى العمومية، أو لأيّ سبب آخر. يتم التصرّف في الممتلكات المصادرة وفقا للمعاهدات الدولية ذات الصلة والتشريع الوضعي (المقصود بالتشريع الوضعي، التشريع الجاري به العمل في الوقت الحالي)، هذا ما نصّت عليه المادّة 70 من هذا القانون.
د- التجميد والحجز
في ضوء أحكام المادّة 64، ودائما في إطار تفعيل التعاون الدولي لمكافحة الفساد، بناء على طلب إحدى الدول الأطراف في الاتفاقية شريطة أن تكون محاكمها أو سلطاتها المختصّة قد أمرت بتجميد أو حجز عائدات إجرامية أو معدات أو أدوات استخدمت أو معدة لذلك، يمكن للقضاء الجزائري أن يحكم بإجراءات تحفظية مثل تجميد أو حجز تلك الممتلكات، إذا رأى أنّ مآل تلك الممتلكات هو المصادرة، أو على أساس معطيات ثابتة مثل إيقاف أو اتهام أحد الأشخاص الضالعين في القضية بالجزائر. أمّا طلبات التي ترد في هذا الشأن، فلقد نظمتها المادّة 67 تحت عنوان إجراءات التعاون الدولي من أجل المصادرة، فقضت أنّ الطلب يوجه إلى وزير العدل الذي يحوله إلى النائب العام لدى الجهة القضائية المختصّة، ليرسل إلى المحكمة المختصّة مرفقا بطلبات النيابة، يكون حكم المحكمة قابلا للاستئناف والطعن بالنقض. ووفقا لأحكام المادّة 68 من هذا القانون، تنفذ أحكام المصادرة بمعرفة النيابة العامة وفقا لأحكام القواعد العامة للتنفيذ.
- Enseignant: MOHAMED BEKRARCHOUCH