أركان العملية التعليمية:

تتكوّن العملية التّعليمية من أركان رئيسة تتضافر وتتفاعل فيما بينها لتحقيق أهداف التعليم والتعلّم الناجحين. وحدوث أيّ خلل في أي ركن من هذه الأركان، سيؤدي بالضرورة إلى قصور وفشل في العملية التعليمية التعلّمية ،ويمثّلها المختصّون في المثلّث التعليمي التالي:

 

المعارف

 
 

 

 

 

المعلّم                         المتعلّم                        

 

 

 

                         

1- المعلّــــم:

 ركن أساس في العمليّة التعليمية النّاجحة، ويشترط فيه التّكوين الجيّد والمستمر علميا و بيداغوجيا ونفسيا، والمعلّم الناجح، في حاجة للإجابة عن الأسئلة التالية قبل البدء في عملية التعليم:

- من أعلّم؟

- ماذا أعلّم؟

- لماذا أعلّم؟

- كيف أعلّم؟

حيث إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة كفيلة بمساعدته على تحديد الأدوار، وتوضيح المهام المنوطة به، والتي يمكن إجمالهـــــا فيما يلـــي:[1]

أ- الإحاطة بعيّنة المتعلمين، ومستوياتهم المعرفية ،وخصائصهم النفسية والاجتماعية، واستعداداتهم، وميولاتهم، وحاجاتهم، والفروق الفردية بينهم...إلخ، وهو ما يسمح للمعلّم التعرّف على هؤلاء المتعلّمين ،وتحديد حوافزهم ودوافعهم المختلفة نحو التعلّم، وموقفهم من المادة، وعلاقتهم بالمحيط ، واستعمالهم للّغة، ما يساعد على نجاح عملية التّعليم.

ب- تمكّن المعلّم من المادة التي يتولّى تدريسها، وكلّ ما يتّصل بها من تطور وتجديد، وتحديد مصادرها، وكيفية الاستفادة منها، وتحديد ما يحتاجه المتعلّمون منها، وفقا لمستوياتهم وخصائصهم واستعداداتهم وميولاتهم وحاجاتهم...

ج- تمكّن المعلّم من تحديد أهداف المادة التي يدرّسها، ومصادر اشتقاقها، وكيفية صياغتها بطريقة يمكن معها ملاحظتها ،وقياس مدى تحققها، مع مراعاة التّناسب بين هذه الأهداف ومستويات المتعلمين وخصائصهم وحاجاتهم.

د- وضع الخطط التّدريسية موضع التّنفيذ، وهذا يتطلّب من المدرّس التمكّــــن مــــــــــــــن:

- طرائق التّدريس، وميزاتها، وعيوبها ،ومواقف استخدامها ،ومدى انسجامها مع الموقف التعليمي ،والمادة ،وخصائص المتعلمين، والأهداف التعليمية ،والوقت المتاح...إلخ.

وفي هذا الصّدد يؤكّد المختصّون على أن أفضل طريقة تقترحها الديداكتيك على المعلّم هي تلك التي يستخلصها بنفسه بصياغته الشخصية، واختياره، ومراجعته لها، ومن الطبيعي أن المعلم لا يستطيع أن يعلّم تعليما فعالا دون فهم الأوضاع النظرية المتنوعة، فذلك هو الأساس الذي يختار وفقه ما يراه مناسبا من طرق، وما لم يكن هذا الأساس في نظريته ، فإنه سوف يصبح منقادا إلى طريقة واحدة من التّفكير، بل يصبح دميـة دون تحكـم ذاتـــــــــــي.[2]   

- تحديد الوسائل الديداكتيكية المساعدة التي تجعل التّعليم والتعلّم أكثر فعالية ونجاعة، من خلال توفيرها للنواتج المرغوب فيها في أقل وقت وجهد ممكنين، وهنا لابد من التّركيز على الإحاطة بالوسائل التكنولوجية الحديثة لما لها من دور في شدّ انتباه التلميذ، واستثارة دافعيّته، وإشباع حاجاتـــه ،وتحفيـــزه على التّفكيـــر والابتكـــار، ومن ثمّ تحقيــــق أهــــــداف التعلّـــم، «وأهمّ شيء قبل استعمال هذه الوسائل المساعدة، هو الوعي بأسسها النّظرية ثمّ أسسها الإجرائية، ومراحلها التطبيقية لأنّ المدرس يتوسّل بها لبلوغ هدف معين، أو ترسيخ مهارة لغوية، أو حل مشكلة يعاني منها التلاميذ، إذن فإنّ استعمال الوسيلة المناسبة في الموقف والزمان الملائمين يتطلّب الدّقة في الاختيار، والمهارة في الاستعمال لتحقيق الغرض المطلوب.»[3]

هـ- تقويم نواتج التعلّم وعملية التّدريس بصفة عامة ،من خلال فهم المعلم لعملية التقويم، وإلمامه بأساليب القياس والتقويم المختلفة، لقياس ما تمّ تحقيقه من أهداف، ومعرفة كيفية التعامل مع نواتج التعلّم من خلال تحديد الأساليب الفعالة في تصحيح مواطن الضعف، وتعزيز مواطن القوة لدى المتعلمين، إذ لا بدّ أثناء سيرورة عملية التقويم من الإجابة عن التساؤلات التالية: ما هي النتائج التي تمّ تحقيقها فعلا؟ وما هي النتائج والأهداف التي لم تحقّق؟ ما هي مواطن القوة التي أفرزتها عملية التقويم ،وكيف يتمّ تعزيزها؟ وما هي مواطن الضعف والفشل وما السبيل لتصحيحها وعلاجها؟ ما هي الصّعوبات التي تواجه المعلمين والمتعلّمين في العملية التعليمية التعلّمية هل القصور ناتج عن المعلم ،أم المتعلم ،أم المحتوى، أم الطريقة ،أم الوسائل المعتمدة؟ وكيف يتمّ تصحيح مسار العملية التعليمية؟

2- المتعلّم:

 إنّ التحوّل الجوهري في مفهوم التعليمية الحديثة أدّى إلى انتقال المحور فيها من المعلّم إلى المتعلّم، فبعدما كان المعلّم هو الرّكن الأساس في العملية التعليمية، حيث كانت المعارف عبارة عن« بضاعة يمتلكها المعلّم، ويجتهد في نقلها بفنّ ووضوح إلى التّلميذ، الذي كان عليه أن يعيد إنتاجها مثبتا أنه تلقّنها وتسلمها، وأنّه قادر على إعادة تمــريرها بــــدوره.»[4]

صار المتعلّم هو الرّكن الأساس في هذه العملية، بحيث توكل إليه مهمة، المبادرة والاكتشاف والتّحليل والتّعليل والاستنباط... وما المعلم إلا مخطّطا وموجها لهذه العملية.

ولمّا صار المتعلّم هو جوهر العملية التعليمية منه تنطلق وإليه تعود، كان لزاما على القائمين عليها، أن يضعوا نصب أعينهم معرفة خصائص المتعلّمين، ومستوياتهم الذهنية والمعرفية ،واستعداداتهم ،وميولاتهم ،واتجاهاتهم، والوقوف على الفروق الفردية بينهم، باعتبارها مسائل تؤثر في عملية التعلّم وفعاليته، بل باعتبارها نقطة الانطلاق الأساسية لتحديد الأهداف، وضبط المقرّرات التعليمية، واختيار الطرق المناسبة، وانتقاء الوسائل المساعـــــدة.

3- المعارف:

 لم يعد الكمّ الهائل من المعارف والمعلومات المعيار الذي تبني عليه التعليمية مسألة اختيار مضامين ومحتويات المقرّرات التّعليمية، بل إنّ انتقاء المحتوى التعليمي أصبح مبنيا على أسس علمية، ومعايير خارجية (خارجة عن اللغة) وأخرى داخلية (خاصة باللغة ذاتها).[5] 

فمن المعايير الخارجية ما يرتبط بمحيط التعلّم وأهداف التعلّم ومستوى المقرّر، والمدة الزمنية المخصّصة لتنفيذ المقرّر ونوعيّة التدريس، أما المعايير الداخلية فنذكر منها تحديد النّمط أو المستوى اللّغوي ( لغة وظيفية، علمية، أدبية...) ،بالإضافة إلى مسألة تحديد الرصيد اللغوي الوظيفي...

إنّ هذه المعارف هي جزء من المنهج التعليمي، ولذلك لا ينبغي الحديث عنها بمعزل عن بقية العناصر المكونة لهذا المنهج إذ تشكّل الإجابة عن التساؤلات التاليةtriste ما هي الأهداف التعليمية المراد تحقيقها؟ ما هي المعارف والخبرات المطلوب توفيرها لتحقيق هذه الأهداف؟ كيف يمكن تنظيم وتقديم هذه الخبرات للمتعلم وتمكينه منها؟ كيف نعرف بأن الأهداف المسطّرة قد تحقّقت؟) العناصر الأساسية للمنهج ، ألا وهي: الأهداف والمحتوى (المعارف) وطرق التدريس والتقويم.

هذه العناصر التي تتفاعل وتتكامل فيما بينها لتشكّل منهجا تعليميا ناجحا وقابلا للتجسيد على أرض الواقع، وغياب أي عنصر من هذه العناصر، أو وجود أيّ خلل فيه يؤدي بالضرورة إلى قصور في المنهج، ومن ثمّ إلى فشل في العملية التعليمية التعلّمية؛ إذ لا يتصور حصول تعلّم من دون وجود محتوى تعليمي مبني على أسس علمية، وفق معايير اختيار وبناء المحتوى التعليمي، كما أنّه لا يمكن اختيار محتوى تعليمي من دون تحديد دقيق وواضح لأهداف التعلّم في ضوء مستويات المتعلمين وحاجاتهم واستعداداتهم، فضلاً عن استحالة تنفيذ أي محتوى أو تحقيق أي أهداف في غياب طرق تدريس معيّنة تنسجم ووضعيات التعلّم المختلفة لتحقيق أهــــــداف المنهج.

كما أنّه لا يمكن بأيّ حال من الأحوال التعرّف على مدى نجاعة المحتوى التّعليمي وطرق التّدريس والوسائل المعتمدة، ومدى نجاح المنهج بصفة عامة، ومستوى تحقّق أهدافه من دون عنصر التّقويم، الذي بإمكانه وحده الكشف عن موطن القوة والضّعف في كلّ عنصر من عناصر العملية التعليمية.

وهكذا يتّضح جليا الأهمية التي يكتسيها كل عنصر من عناصر العملية التعلّمية، وعلاقة التّفاعل والتّكامل فيما بينها.

رابعا- التّعليمية والعلوم المرجعيّة:

       في سياق الحديث عن (التعليمية) والتعريف بهذا العلم لا بد من وقفة عند العلوم المرجعية التي يستند إليها، وينهل منها في تحديد المعارف والمحتويات وطرائق بنائها، وتبليغها، وتقويمها، حيث تتداخل التّعليمية مع عدّة تخصصات علمية أخرى أهمّها: اللسانيات العامة، اللّسانيات النفسية ،واللسانيات الاجتماعية ،وعلم التربية.

1- اللّسانيات العامـــــة:

فقد أثبتت الدراسات المتخصّصة أنّ التّعليمية قد أفادت كثيرا من اللسانيات العامة ،أو ما يسمى بعلم اللّغة العام ، حيث أتاحت المدارس اللّسانية المتعاقبة ونظرياتها التي انبثقت عنها لتعليمية اللغات، إمكانية التفكير والتأمل في المادة اللغوية ،وبنياتها ،والمناهج التي تحكمها.

ومن أهمّ تلك المفاهيم اللّسانية مفهوم النّظام عند دي سوسير ؛ ففي رأيه أنّ اللّغة نظام محكم يتكوّن من مستويات للتحليل هي: الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي والدلالي، ومن ثمّ فإنّ تحديد تلك الأبنية و وحداتها، وما يربط بينها من علائق متنوعة من شأنه أن يعين على معالجة المواد اللّغوية المدرّسة معالجة بيداغوجية مخصوصة ،يراعى فيها التّدرج من البسيط إلى المعقد ،والانتقال من الشبيه إلى الشبيه به أو المقابل له، وهو ما يساعد على ترسيخ المعلومات المقدمة في أذهان المتعلمين، وتيسير عملية استحضارها من قبلهم كلّما شعروا بالحاجة إلى ذلك.[6] 

ولعلّ أحسن استثمار لمفهوم البنية في التّعليمية تجسّد في مسألة التّمارين البنيوية (Exercices Structuraux ) ، التي تعتمد على مفاهيم التقابل والتشابه والاختلاف، في فهم اللغة وإدراك مدلولاتها. [7]

       ويتّضح من خلال ما سبق ،بأنه لا يمكن إدماج الجوانب الأساسية المتعلّقة بتعليم وتعلّم اللغة« إلا باعتماد منهجية ألسنية تقتضي تبسيط القواعد وتوضيح البنيات اللغوية وعناصرها اعتمادا على التفسير والتشخيص والتحليل، ومن المفروض أن تعتمد هذه المنهجية الألسنية التطبيقية على الشمولية والإحاطة في تفسير مكوّنات النّسق اللّغوي بعناصره: الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية، وتوضيح العلاقات المنظّمة لهذه المكونات التي تكون ديناميكية اللغة و حركيتها »[8]

       ومن المفاهيم اللّسانية التي كان لها أثر بالغ في تعليمية اللغة "الكفاية"، وهي المعرفة الضمنية بقواعد اللغة ،وهي قائمة في ذهن كل من يتكلّم اللّغة، و"الأداء" هو استعمال هذه المعرفة في عملية التكلّم. حيث يرى تشومسكي أن النظرية الألسنية يجب أن تحلّل مقدرة المتكلم على أن ينتج الجمل التي لم يسمعها من قبل، وعلى أن يتفهمها، فيقوم عمل الألسني على صياغة القواعد التي بمقدورها إنتاج اللغة مادة البحث، أي القواعد القائمة ضمن مقدرة متكلّم اللغة على إنتاج الجمل وتفهمها.[9] 

وهذان المفهومان يعدان ركيزتين أساسيتين في النّظرية التوليدية التحويلية، هذه الأخيرة التي أسهمت في تفسير قضايا اللّغة وبناء قواعد الكفاية اللغوية التي تقود عملية التكلم أو الأداء الكلامي.

إنّ ما جاء به تشومسكي في هذه النظرية ،على قدر كبير من الأهمية في تعليمية اللّغات، حيث يرى بأنّ اللّغة هي الخصّيصة الأولى للإنسان، ومن ثمّ وجب الوصول إلى طبيعة هذه اللغة لا عن طريق المادة الملموسة الظاهرة أمامنا ،وإنّما عن طريق القدرات الإنسانية الكامنة التي لا تظهر على السطح، هذه القدرات اللغوية تؤكّد على أنّ اللّغة الإنسانية لا يمكن أن تكون استجابة لمثير، وإلاّ كانت نشاطا آليا، و إنّما لغة إبداعية تتألّف من عناصر محدودة العدد، ولكن يمكن للمتكلّم أن ينتج منها يوميا عددا لا حصر له من الجمل التي لم يسمعها من قبل، وهذا ما أفضى إلى أن يكون المنهج في النظرية التوليدية التحويلية استدلاليا ،أي عكـــس ما كان سائـــدا في النظريــة البنائية التي كان منهجها استقرائيــــــــــــا.[10]

وكان من بين ثمار الاعتماد على نتائج البحث اللّساني في التّعليمية التّركيز على اللّغة المنطوقة (الجانب الشفوي) في العملية التعليمية، وذلك بعدما استطاعت اللّسانيات أن تعيد لها اعتبارها ،وتثبت بأنّ اللغة المنطوقة هي الأصل، وهي الجديرة بالاهتمام، فالطّفل يتعلم اللّغة المنطوقة أولا، ثم يشرع بعد ذلك في تعلّم اللغة المكتوبة، وهذه النّظرة مغايرة  لتلك التي كانت سائدة في الدّراسات التاريخية والمقارنة،و التي كانت تركّز فقط على الجانب المكتوب من اللّغة.

وهكذا تشكّل اللّسانيات للباحث في التعليمية ميدانا لدراسة الظواهر التي يلاحظها في أبحاثه ويفسرها ،ومجالا لتقديم تصورات أو خطط وإجراءات منهجية بغية تعليم اللغات وتعلّمها وذلك على مستويين: مستوى مفهومي أو نظري ومستوى منهجي أو تطبيقي.[11] 

       فالتّعليمية إذن علم لا يمكن أن يستقيم له أمر إلا إذا انبنى على الرصيد المعرفي للفكر اللساني المعاصر، وما يوفره هذا الفكر من نظريات تطبيقية مؤهلة سلفا لإيجاد التفكير الكافي لكل القضايا التي تتعلّق بكل جوانب الظاهرة اللّغوية، من هذه الجوانب ما هو صوتي ومنها ما هو دلالي، ومنها ما يقع بين ذلك من حيث التركيب والتأليف بين العناصر اللسانية في سياقها المألوف.. ومن هنا فإنّ المعلّم ملزم بالإحاطة بالنّظرية اللّسانية العالمية بمرجعياتها ،ومفاهيمها ،وإصلاحاتها ،وإجراءاتها التطبيقية.[12]

2- اللّسانيات النّفسيـــــــة:

       أدّى التّقارب بين علم النفس وعلم اللّغة إلى ظهور ما يسمى بـ"علم اللّغة النّفسي" أو "اللّسانيات النّفسية" ،هذا العلم الذي يدرس الظاهرة اللغوية بوصفها سلوكا يمكن إخضاعه للدراسة باستخدام المناهج والأساليب النّفسية المختلفة، ويحدّد المختصون مجالات هذا العلم فيما يلـــــــــي:[13]

أ- يدرس كيف يفهم السّامع ما يقوله المتكلّم، أي كيف يحلّل سلسلة الأصوات المتوالية التي تتلقاها أذناه إلى وحدات يستخلص منها المعاني التي أراد المتكلّم نقلها إليه.

ب- كيف يخطّط المتكلّم لنطق الجمل للتعبير عن أفكاره، وكيف يختار المفردات اللازمة، والصعوبات التي يواجهها عند النطق ،والأخطاء التي يقع فيها.

ج- دراسة تركيب الذاكرة من الناحية اللّغوية ،وطبيعة التذكّر ،وكيفية اختزان المفردات في الذاكرة (المعجم الذهني) ،وأسباب سهولة أو صعوبة استحضارها عند الحاجة لاستعمالها، وكيف تختزن الجمل في الذاكرة.

د- التّفريق بين اكتساب اللّغة وتعلّمها عند الطفل؛« فالاكتساب يحدث في الطّفولة كما رأينا أمّا تعلّم اللّغة فيحدث في مرحلة متأخّرة حين يكون الأداء اللّغوي قد تكوّن، وحين تكون العمليات العقلية قد نضجت، أو قاربت النّضج ،ومعنى ذلك أنّ الذي "يتعلّم " اللغة هو غير ذلك الطّفل الذي كان "يكتسب" اللّغة ؛إذ حدث تغيّر كيفي في وظائف الأعضاء، وفي النّشاط النّفسي»[14]، ولذلك يتمّ التركيز في مسألة تعلّم اللّغة على علاقة نموّ الطفل اللغوي بنموّه الإدراكي.

ولعلّ النقطة الأخيرة تبرز دور اللّسانيات النّفسية وعلاقتها بتعليم وتعلّم اللغات، حيث ظهرت نظريات كثيرة ركّزت على الرّبط بين العناصر النفسية لمتعلم اللغة من دافعية وميول ورغبة وخوف وقلق، وبين تحصيله اللّغوي.

وقد سبقت الإشارة إلى أن عملية تحديد أهداف التّدريس ،ومحتوياته ،وطرائقه لا يمكن أن تتمّ بمنأى عن تحديد دقيق لخصائص المتعلّمين وحاجاتهم واستعداداتهم وميولاتهم، حيث إنّ تقديم الخبرات التعليمية للتلاميذ دون دراية بهذه المعطيات، أو إهمال لها سيؤدي إلى الفشل في بلوغ الأهداف المسطرة، ومن ثمّ فإنّ دراسة طبيعة التلاميذ والتعرّف على خصائصهم أمر ضروري ،يفيد القائمين على المناهج التعليمية على المستويين التخطيطي والتنفيذي.

ومن هنا فإنّ هذا العلم (اللّسانيات النفسية) يفيد في الإجابة عن الكثير« من التساؤلات المتعلقة بالحياة التّعليمية التعلّمية، ويقدّم معلومات ثمينة عن الحاجات اللّغوية والدّوافع نحو التعلّم واستراتيجياته، ويحاول أن يجيب عن أسئلة مثل: كيف يتلقّى التلميذ خطابا؟ وما هي أهمّ الصّعوبات التي تواجهه؟ وما هي مجمل العلاقات بين تعلّم لغة من اللغات وبين عناصر مثل الشخصية والذاكرة و الإدراك و الفهم»[15]

ولذلك قيل إنّه دراسة اللّغة من أجل التعرّف على الصعوبات التي تحول دون تقدّم مسيرة التعلّم، وتوفير الأجواء المناسبة للتّحصيل اللّغوي في سبيل تحسين العملية التعليمية التعلّمية.

3- اللّسانيات الاجتماعيـــــة:

       إنّ القول بأنّ اللّغة ظاهرة اجتماعية بالدّرجة الأولى، يؤكّد على استحالة فهمها بمنأى عن هذا المجتمع، وهذا هو الأساس الذي قامت عليه اللّسانيات الاجتماعية التي يعرّفها البعض بأنها:

- « دراسة اللّغة في علاقتها بالمجتمع »

- « العلم الذي يبحث في اللّغة بوصفها ظاهرة اجتماعية كبقية الظواهر الاجتماعية الأخرى التي لها نشوؤها وتطورها وتفرعها إلى لهجات مختلفة ،ويبحث في التطورات اللغوية من وجهة نظر سكانية على جميع مستويات التحصيل الصوتية والنحوية والدلالية.»

فاللّسانيات الاجتماعية تولي للمعطيات الاجتماعية الخاصة بالمتكلمين (الأصل الإثني، المهنة، الجنس، السّن...) عناية خاصة، وتتبيّن من خلالها نوع الأداء اللغوي الذي ينزع إليه المتكلّم، كما أنّها تولي أهمية قصوى لمسألة اكتساب الملكة اللغوية الاجتماعية (Compétence Sociolinguistique) ،وكيفيات نقلها جيلا بعد جيل باعتبارها تؤدي دور الاحتفاظ على التجليات الاجتماعية للّغة، ناهيك عن اهتمام هذا العلم بالأحكام التقييمية التي يتبادلها الناس حول السلوكات القولية التي تصدر عن هذا أو ذاك، وهذا ما يجعل اللساني الاجتماعي« يتوخّى منهجا مزدوجا في تناوله مادة علمه، فهو يدرس البنية اللغوية في جوانبها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية، ثم يعمل على كشف ارتباط هذه البنية بوظيفتها الاجتماعية ،من خلال تأثير الجوانب الاقتصادية والثقافية والدينية في الكيان اللغوي.» [16] 

أمّا إذا أردنا الحديث عن علاقة التّعليمية بهذا العلم، فإنّنا نقول بأنّ الصلة وثقى بينهما، ويمكن توضيح ذلك في النّقاط التالية:

- بما أنّ المجتمع هو ثقافته ،وأنّ اللّغة هي المعبّر الأهم عن ثقافة المجتمع، فإنّ ذلك يترتّب عليه بالضرورة أن يكون تعليم اللّغة لأبنائها نابعا من ثقافة هذا المجتمع، كما أنّ تعليمها لغير أبنائها ،لا بدّ أن ينقل المتعلّم الأجنبي إلى أن يفهم ثقافة هذا المجتمع.[17]

- إنّ الموضوعات الرئيسة في ميدان اللسانيات الاجتماعية، كمسألة التنوّع اللغوي والتّعددية اللغوية، والازدواجية اللغوية، ومسائل الأمن اللغوي ،والتخطيط اللغوي ،وسياسات التعليم...إلخ ،تمثّل رافدا من الروافد التي ينهل منها القائمون على العملية التعليمية، حيث تساعد هذه الموضوعات في الإجابة عن أسئلة من هذا النوع: ما هو المستوى اللغوي المناسب للمتعلّم في مرحلة من المراحل؟ ما هي اللّغة التي يتحتّم على المنظومة التربوية أن تتبنّاها في تعليم المواد العلمية؟ وبأية لغة يستقيم وضع تعلّم هذه المادة أو تلك؟ وما هي الأوضاع اللّغوية وغير اللّغوية، وأنماط التواصل الشفوي والمكتوب، وما تؤديه الحركات، والإيماءات ،وأنظمة التبليغ غير اللغوي ،وعلاقة ذلك بطرائق التعليم...؟ حيث لا يمكن إغفال دور هذه المسائل  في حلّ الكثير من المشكلات، وتذليل العديد من الصّعوبات في حقل تعليمية اللّغات.

4- علـــــم التربيـــــة:

 و هو من أكثر العلوم ارتباطا بالتّعليمية، إلى درجـــــــــــة أنّه يصعب التّفريـــق بينهمـــــــا.

وإذا كانت التّعليمية تسعى للإجابة عن سؤالين هامين هما: ماذا نعلّم من اللّغة ؟ وكيف نعلّمه؟ وإذا كانت العلوم السّابقة الذّكر تحاول الإجابة عن السؤال الأولtriste ماذا نعلّم؟)، فإنّ علم التربية هو الكفيل بالإجابة عن السّؤال الثاني ( كيف نعلّم؟ )، وهذا يفضي بنا إلى الحديث عن أهمّ المسائل التي يمكن أن تفيدهـــــا التعليميّة من مجال علم التربية، وهي:

 



[1] يراجع: محسن علي عطية، تدريس اللغة العربية في ضوء الكفايات الأدائية، دار المناهج، عمان، الأردن،ط1،2007

[2] يراجع: دوجلاس براون، أسس تعلم اللغة وتعليمها،ص34

[3]المصطفى بن عبد الله بوشوك، تعليم وتعلم اللغة العربية وثقافتها، ص79.

[4] أنطوان صياح، تعلمية اللغة العربية، ص17.

[5] يراجع: عبده الراجحي، علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية،1995 ،ص61-77 .

[6] يراجع: بشير إبرير، تعليمية النصوص بين النظرية والتطبيق ،ط1، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع ،2007،ص17.

[7] سيأتي الحديث عن هذا النوع من التمارين في الفصل الثاني.

[8] المصطفى بن عبد الله بوشوك، تعليم وتعلم اللغة العربية وثقافتها، ص85.

[9] يراجع: ميشال زكريا، مباحث في النظرية الألسنية وتعليم اللغة ، ط2،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،بيروت- لبنان، 1985.،ص109.

[10] عبده الراجحي،علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية،ص20.

[11] بشير إبرير، تعليمية النصوص بين النظرية والتطبيق،ص19.

[12] أحمد حساني، دراسات في اللسانيات التطبيقية- حقل تعليمية اللغات، ط1، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون، الجزائر، 2000،ص02،03.

[13] يراجع: داود عبده، دراسات في علم اللغة النفسي، ط1،دار جرير للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2010، ص09،10.

[14] عبده الراجحي ،علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، ص22.

[15] بشير إبرير، تعليمية النصوص بين النظرية والتطبيق، ص20.

[16] يراجع: عبد السلام المسدي، اللسانيات وأسسها المعرفية،ص88.

[17] يراجع: عبده الراجحي ،علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، ص24.

                       الموضوع:   مفاهيم التعليمية 

       التعليمية علم يتناول عملية التعليم (معلم، متعلم، مادة) بالدراسة والتحليل، متعرضا لكل أركانها الأساسية بالتأطير والنقاش بغية الوصول إلى تحقيق كفاءة عالية. وهي من العلوم الحديثة بأبعادها وشروطها واهدافها، وقديمة من حيث الاهتمام، لتعلق المجتمعات منذ ان وجدت بضرورة التعلم.

     والتعليم والتعلم والتدريس وما يحيط به من مفاهيم وقضايا وما يتعلق به من أركان وشروط كل ركن منها، ومدى تعلق كل ركن بغيره، كل هذا يمثل حقلا من حقول المعرفة الحديثة الذي لا يتوقف عن التجدد والاتساع، بحكم التدفق المعرفي المتسارع، وكذا لتعلق اللغة ذاتها بوشائج متعددة الاتجاهات، من نفسية واجتماعية وتربوية وأهدف تختلف من فئة إلى أخرى من الفئات التي تستهدف تعلم اللغة.

    والتعليمية علم وفن وموهبة، ثلاثي متكامل ينبغي أن يتحقق في الثلاثي الأساس للتعليمية، المعلم والمتعلم والمحتوى بكل متعلقاته. ولا تكتمل الصورة المثلى للتعليمية مادة ومنهجا، لتحقيق تعليم ذي جودة عالية إلا إذا اجتمعت هذه الأركان، وأحيطت بالرغبة الملحة وصدق الإرادة.

     ويمثل المعلم الكفء بجميع أبعاده الشخصية والمهنية والأخلاقية حديث الأخصائيين والباحثين على مر العصور باعتباره الرقم الأول من أرقام بناء المجتمعات الراقية، واللبنة الأساسية لصناعة الأجيال ذوي القدرات المحترمة. ولا شك أن الإقرار بهذا المستوى من الأهلية هو إقرار ضمني بعلمية مهنة التعليم بجميع أبعادها، ولا يتحقق ذلك إلا بتكوين جيد للمحتوى العلميّ الذي يزاوله، وإعداد متقن في مجال تخصصه، وكفاءات علمية جيدة لقدراته العلمية التي يحملها ويتقن استثمارها، ومؤهلات خلقية تسهم في بناء المجتمع المنشود.

    والأمر نفسه ينسحب على المتعلم باعتباره العنصر المستهدف من العملية برمتها، وكل ما يتمّ إنجازه إنما لأجل إعداد جيد للناشئة التي تصنع حياة المستقبل. ويكتسي اكتساب اللغة أهمية قصوى في مجال التعليميات التطبيقية في الوقت الراهن في البلاد العربية، ويعود الأمر في ذلك إلى أهمية اللغة ودورها الفعال في التنمية البشرية في مقابل الوضع التعليمي الراهن الذي يشهد تدنّيا ملحوظا في مستويات الاكتساب لدى الأجيال الحديثة، سواء تعلق الأمر باللغة العربية أم باللغات الأجنبية، ولذلك التّدني أسبابه التي لا تحصى وفي مقدمتها غياب البيئة اللغوية السليمة أولا، وفشل المنظومة التعليمية في إيجاد الحلول المناسبة ثانيا، وعليه يولي الباحثون أهمية قصوى للموضوع بحثا عن أنجع السبل والمناهج التي يمكن التوسل بها لتحسين المردودية اللغوية، خصوصا في مرحلة الصغر حيث مرحلة الطفولة وأهميتها في بناء الشخصية ونمائها، ومن ذلك بناء المهارات اللغوية الضرورية التي تؤهل الطفل مستقبلا للتحكم الجيد في عالم اللغات.  

      وبين المَعْلَمَيْن الأساسيين (المعلم والمتعلم) هناك محتوى علمي مناسب للطرفين، ويؤدى وفق منهج ملائم يقود بالضرورة إلى نتائج مرضية. ولقد تعددت مناهج التوصيل وتفاوتت نظريا وميدانيا، ومازالت التجارب المختلفة تمدّ المكتبة العربية بمزيد من الإفادات الجيدة والخبرات المتنوعة لتعطي المجال التعليمي خصوبة وثراء متجددين.

        والمادة المعالجة في هذا الملف تتعرض للأقطاب الثلاثة (المعلم والمتعلم والمحتوى) بما أراه مناسبا ومفيدا لأداء تعليمي جيد نتوسل به إلى حسن استغلال المتوفر لترقيته إلى ما هو أحسن وأرقى. فالحديث عن المعلم القائد للعملية التعليمية يقودنا بالضرورة إلى قدراته التي تؤهله لأداء رسالته على أكمل وجه، فهي ليست أمور تحفظ ولا طقوس تمارس وإنما هي قناعة ذاتية بالمهنة وأسلوب متجدد في الأداء وقدرة على التفاعل المستمر مع مختلف الفئات وأنواع المتعلمين. ونفسه الحديث عن المتعلم هو حديث عن براءة وُضعت لتُؤهل إلى مستوى الإنسان المتعلم لأداء وظيفته البشرية في عالم يعج بالمتغيرات المستمرة. ونفسه الحديث عن المحتوى بكل متعلقاته من مفردات ونصوص وما تتضمنه تلك النصوص من محتوى ومعرفة تتماشى وطبيعة المتعاملين بها حاضرا ومستقبلا. وبالنظر إلى هذه الأركان الثلاثة فإن الركن الأساس هو محور المعلم الذي يدير العملية برمتها ويفعّلُ بقية أركانها ومتعلقاتها على تنوعها وثرائها. لهذا كان الواجب في هذا الملف الذي بين أدينا أن نوليه الأهمية القصوى والعناية الفائقة لنثبت أن انهزامية المعلم وضعف إمكاناته وعدم تجديد مؤهلاته وضعف إيمانه بالعملية التعليمة وحده كاف لفشل العملية التعليمة بأكملها.